في ​الرابع من آب​، لا يقف ​لبنان​ أمام ذكرى انفجار ​مرفأ بيروت​ كمن يقف أمام حادثة مضت وانتهت. فبعض الكوارث لا تدخل الماضي، لأنها تبقى حاضرة في الجسد الوطني، لا بضحاياها وجرحاها وبيوتها المهدّمة فقط، بل بما كشفته من عطب في معنى الدولة، ومن انكسار في أمانة الوظيفة العامة، ومن خرق خطير في العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وبين الإدارة والخير العام.

لقد قيل الكثير عن الإهمال والتقصير والفساد وتبعثر المسؤوليات. وكل ذلك صحيح في حدّه. غير أن الاكتفاء بهذه الكلمات قد يحجب العلّة الأعمق. فما انفجر في مرفأ بيروت لم يكن عنبرًا فقط، ولا مواد خطرة فقط، ولا إهمالًا إداريًا فقط. لقد انفجرت، في تلك اللحظة، دولة طال اختراقها من داخلها، وتوزّعت ولاءاتها بين الدولة والأحزاب، بين القانون والزعامات، وبين المصلحة العامة وشبكات المصالح الخاصة والحماية.

مأساة الرابع من آب ليست فقط مأساة فساد، بل مأساة دولة فقدت وحدة الأمانة والولاء داخل مؤسساتها.

ليست المشكلة في وجود موظف فاسد فقط، فهذا مرض تعرفه الدول ويمكن أن تقاومه بالقانون والمحاسبة. المصيبة الأخطر أن تُصاب الوظيفة العامة نفسها بازدواجية الولاء. فحين لا يكون الموظف الرسمي، أو الأمني، أو العسكري، أو الإداري، أو صاحب القرار أمينًا للدولة وللخير العام، بل مشدودًا في الوقت نفسه إلى حزب أو زعيم أو محور أو شبكة حماية، تنكسر السلسلة الإدارية من داخلها.

عندئذ لا يعود السؤال فقط: من وقّع؟ ومن أهمل؟ ومن سكت؟ بل يصبح السؤال الأعمق: من جعل الدولة قابلة لأن تُخترق حتى الموت؟

فالوظيفة العامة ليست مورد رزق فقط، ولا موقع نفوذ، ولا جائزة انتخابية، ولا حصة في تسوية. إنها عهد أمانة. ومن يدخل إليها باسم جماعة سياسية أو مالية ثم يبقى في ولائه العملي تابعًا لمن أدخله أو يحميه أو يستعمله، يتحول من خادم لمرفق عام إلى عنصر في شبكة نفوذ. وهكذا قد تبدو الإدارة جهازًا واحدًا للدولة، فيما تتحرك في داخلها ولاءات متضاربة، يعرف كل منها جزءًا من الحقيقة، ويخاف من جزء آخر، وينتظر أحيانًا إشارة من خارج القانون.

وقد تعمّق هذا الخلل تحت ضغط ​سياسة​ المحاور. فالتنافس لم يبقَ سياسيًا داخل الدولة، بل انتقل في أحيان كثيرة إلى محاولة السيطرة عليها من داخلها، من قانون الانتخاب وصناديق الاقتراع إلى التوظيف السياسي والزبائنية ونهب المال العام. وهكذا لم يعد المال الحرام نتيجة للفساد فحسب، بل صار أداة لإعادة إنتاجه: به تُصنَع الأكثريات، وبه تُشترى الولاءات، وبه تُحمى المخالفات.

والأشد خطورة أن هذا النمط وجد أحيانًا ما يسهّل تمدده داخل بنية الحكم نفسها. فالوزير، بما يملكه من صلاحيات واسعة داخل وزارته، قد يتحول من مؤتمن على مرفق عام إلى صاحب مساحة نفوذ سياسية. وإذا صارت الوزارة إقطاعًا حزبيا أو ماليا، لم تعد الإدارة مسؤولة أولًا أمام الدولة، بل أمام الجهة التي توفر لها الحماية.

وهنا يجب التمييز بدقة بين الدستور وبين الممارسة. فليست كل علّة في لبنان ناتجة من النص الدستوري، كما لا يجوز إعفاء النصوص والبنى من المراجعة حيث تظهر فيها ثغرات فعلية. غير أن جانبًا كبيرًا من الأزمة نشأ من الممارسة السياسية ومن استنسابية تطبيق الدستور واتفاق الطائف، ومن الأعراف التي جعلت تقاسم السلطة يتقدم أحيانًا على بناء دولة موحّدة الأمانة.

من هذه الزاوية، يصبح الرابع من آب أكثر من كارثة مرفأ. إنه مرآة لدولة تعرف ولا تفعل، تسمع ولا تحسم، تتلقى التقارير ولا تتحرك، تملك الأجهزة ولا تملك دائمًا وحدة القرار، وتملك القوانين ولا تملك دائمًا القدرة أو الإرادة لتطبيقها.

وحين تصبح الدولة مجموعة جزر متنازعة بدل أن تكون جسدًا واحدًا، يُترك الخطر بين مكتب وآخر، وصلاحية وأخرى، وتوقيع وآخر، حتى يأتي الانفجار فيجمع، في لحظة واحدة، كل ما فرّقته سنوات الخوف والفساد والتواطؤ.

هنا تفرض ​غابة الأرز​ نفسها عليّ كصورة لفهم ما أصاب لبنان.

حين اختلّ توازن بعض أشجار الغابة في مطلع التسعينيات، لم يكن إنقاذها ممكنًا بمجرد قطع الأغصان المتضررة. فالغصن ليس زائدًا على الشجرة؛ له موقع في توازنها. وقد يكون المطلوب أحيانًا تقليم غصن، وأحيانًا معالجة آخر، وأحيانًا تدعيم غصن فقد سنده، أو تغذية غصن أنهكه العزل.

وهذا هو أيضًا منطق إصلاح الدولة.

لا تكفي محاسبة غصن صغير إذا كان المرض في الجذر. ولا يجوز ترك غصن فاسد بحجة المحافظة على توازن الشجرة. ولا يجوز، في المقابل، قطع الأغصان عشوائيًا حتى نقتل الحياة التي ندّعي إنقاذها. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى حكمة الطبيب والبستاني معًا: تشخيص ما يجب تقليمه، وما يجب معالجته، وما يجب استئصاله، وما يجب تدعيمه حتى يستعيد الكل توازنه.

ومن أين يبدأ المصلح أمام كارثة الرابع من آب ووطن اختلّت أسسه؟ أيبدأ بموظف صغير خاف أو أطاع أو صمت؟ أم بمدير عطّل القرار؟ أم بوزير احتمى بحزبه؟ أم بحزب زرع ولاءه داخل الإدارة؟ أم بمال سياسي اشترى النفوذ؟ أم بقانون انتخاب سهّل تحويل المال إلى شرعية؟

الجواب ليس في اختيار مستوى واحد وترك الباقي.

فالدولة التي أصابها هذا النوع من الفساد لا تُنقَذ بالتضحية الرمزية بموظف صغير، ولا ببيان سياسي، ولا بخطاب حزين، ولا حتى بمحاكمة لا تصل إلى منابع العلّة. إنها تحتاج إلى مراجعة مكامن الضعف في النصوص والممارسة، وإلى إعادة تأسيس الأمانة الوظيفية العامة، وقطع دابر ازدواجية الولاء:

لا ولاء في الإدارة إلا للدولة.

ولا طاعة في القضاء والأمن إلا للقانون.

ولا شرعية في السياسة إذا تناقضت مع الخير العام.

ولا صلاحية لمسؤول إذا تحولت إلى حصانة للفساد أو إلى ستار لنفوذ حزبي أو مالي.

لقد مضت ست سنوات على واحدة من أفدح الكوارث التي حملت اسم عاصمتنا بيروت، ولم تتمكن العدالة بعد من الوصول إلى خاتمة تعيد إلى اللبنانيين الاطمئنان إلى أن الحقيقة فوق الحماية والنفوذ. والتحقيق الذي لا يبلغ العلاقة بين السياسة والإدارة، وبين المال والانتخابات، وبين الحزب والوظيفة العامة، يبقى مهددًا بأن يتوقف عند آثار المرض من دون أن يبلغ أسبابه.

وهنا نصل إلى ما أسميه التكاؤُن.

التكاؤُن لا يعني أن يذوب اللبناني في الآخر، ولا أن تتقاسم الجماعات الدولة فيما بينها تحت اسم العيش المشترك. إنه يعني أن يعرف كل «أنا» أن اكتماله الوطني لا يتحقق على حساب الآخر، بل معه، داخل «نحن» تجعل الخير العام أعلى من مصلحة الحزب والطائفة ورأس المال والمحور.

بهذا المعنى، ليست ​الديمقراطية التوافقية​ المطلوبة نظامًا لتقاسم المكاسب، بل توافقًا في خدمة الخير العام. فكما لا تعيش غابة الأرز لأن كل شجرة أخذت حصتها من الأرض، بل لأن بينها توازنًا وإسنادًا متبادلًا، لا يقوم لبنان لمجرد أن كل جماعة حصلت على حصتها من الدولة، بل حين تصبح الدولة نفسها الخير المشترك الذي يحمي الجميع.

ومن مرفأ بيروت إلى غابة الأرز، الخلاصة واحدة: لا ينجو لبنان بتقليم بعض الأغصان وترك المرض في الجذور، ولا باستئصال عشوائي يهدد الشجرة كلها. ينجو حين يستعيد وحدة أمانته، وحين يصبح الولاء للدولة والقانون فوق كل ولاء آخر، وحين نستعيد معنى «كلنا للوطن» لا كشعار، بل كعهد بين مواطنين يعرف كل منهم أنه لا يستطيع حماية نفسه بإضعاف الدولة التي تحمي الجميع.

رحم الله ​شهداء الرابع من آب​، وشفى الجرحى، وعزّى أهاليهم، ولا سمح بأن يذهب استشهادهم سدى.

فالأمانة لهم ليست في الذكرى وحدها، بل في أن نبني دولة لا تقتل أبناءها بإهمالها وفسادها، ولا تتركهم تحت سقف تتنازعه الولاءات حتى ينهار فوق رؤوس الأبرياء.

فالجار لا يُحمى بانهيار بيت جاره، والغصن لا يقوى بكسر الغصن الآخر، والوطن لا ينجو إلا حين يعود جميع أبنائه إلى الإيمان بأن نجاتهم واحدة.