قد لا تكون المشكلة الأساسية في المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية هي تعثر الجولة السابعة في روما، ولا حتى احتمال استقالة السفير سيمون كرم، بل ما تكشفه هذه التطورات عن أزمة أعمق في بنية التفاوض نفسه: ماذا يستطيع لبنان أن يحقق عندما يفاوض طرفًا يملك تفوقًا عسكريًا واضحًا، ويستطيع تحمل الانتظار وفرض وقائع جديدة على الأرض؟
من هذه الزاوية، يصبح ما تردد عن تفكير كرم بالاستقالة مفهومًا باعتباره مؤشرًا إلى أزمة في شروط مهمته. فالمفاوض يحتاج إلى تفويض سياسي وهامش للمناورة، وإلى طرف مقابل مستعد لمقايضة الالتزامات. أما إذا كان الوفد اللبناني مقيدًا بسقف ضيق، فيما تستمر إسرائيل في تكريس واقع عسكري جديد، فإن دوره يتحول تدريجيًا من محاولة التسوية إلى إدارة الاتصالات ونقل المواقف. قد يرى البعض أن كرم ليس الشخصية الأفضل لتمثيل لبنان في مثل هذه المفاوضات، ولكن انطلاقًا من المعطيات الحالية، فإن ما تم تسريبه عن نيته في الاستقالة يُقرأ على أنه موقف يُسجَّل له، كي لا يُقال إنه كان مجرد رسول.
جوهر التفاوض هو التبادل: تنازل يقابله تنازل، والتزام يترتب عليه التزام. فإذا بقي لبنان مطالبًا بإثبات حسن النية وتنفيذ ما يُطلب منه، فيما يحتفظ الطرف الآخر بحرية تأجيل التزاماته أو إعادة تعريف شروطها، تصبح العملية أقرب إلى إدارة الوضع القائم منها إلى البحث عن حل. وهنا تظهر الفجوة الأساسية: لبنان يريد، في نهاية المسار، استعادة سيادته على الجنوب، وانتشار الجيش، وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي. أما إسرائيل فتربط أمنها بتقديرها الخاص لمستوى الخطر، وتتمسك بحقها في استخدام القوة متى اعتبرت أن أمنها مهدد. وإذا بقي هذا الحق مفتوحًا، فإن الخلاف لا يتعلق فقط بموعد الانسحاب، بل بمن يملك القرار الأمني في الجنوب بعد أي اتفاق.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع استمرار الوقائع العسكرية بالتوازي مع التفاوض. فعامل الوقت لا يعرف الحياد، وكلما طال المسار من دون تسوية، ازدادت قدرة الوقائع الجديدة على فرض نفسها في الجولة التالية، بينما تضيق قدرة لبنان على إعادة التفاوض من نقطة الصفر. ومن هذه الزاوية، تبدو الجولة السابعة في روما مهمة، ليس بسبب نتائجها فقط، بل لأنها أظهرت أن استمرار القناة التفاوضية لا يعني بالضرورة انتقالها إلى مرحلة حصد النتائج.
وهذا يعيدنا إلى موقع كرم، فإذا وصل إلى قناعة بأن الآلية القائمة لا تمنحه القدرة على تحقيق اختراق، فإن استقالته لن تُفهم بالضرورة كرفض للتفاوض، بل كإقرار من داخل المسار الرسمي بحدوده. وهنا يصبح موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون مفهومًا: خسارة رئيس الوفد في لحظة انسداد قد تتحول إلى خسارة سياسية لخيار التفاوض الذي اعتمدته الرئاسة كرأس حربة، وتمنح "حزب الله" والقوى المتحفظة على هذا الخيار حجة قوية بأن الدولة تفاوض فيما إسرائيل لا تتراجع.
لكن إبقاء كرم لا يكفي. المطلوب أن يحصل على تفويض وهامش حركة حقيقيين، وأن تتحول الوساطة الأميركية من إدارة للجولات إلى ضغط يُنتج التزامات متبادلة، وإلا فإن بقاءه سيحافظ على شكل المسار من دون أن يغيّر مضمونه.
وللسخرية، يرى البعض أن ما تشتكي منه أميركا في مفاوضاتها مع إيران، انتقل إلى واقع المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، ولو أن الاختلاف بين اللاعبين كبير. ففي الحالتين يمكن أن تتحول إطالة العملية إلى أداة ضغط، لكن الفارق أن إيران تملك أوراقًا ترفع كلفة الانتظار على خصمها، بينما لبنان أضعف قدرة على ذلك، في ظل التفوق الإسرائيلي واستمرار الوقائع الميدانية.
قد يكون وصف المسار بأنه "إدارة للأزمة" أدق من وصفه بأنه مجرد "مفاوضات متعثرة". فالمفاوضات قد تُبقي قناة الاتصال مفتوحة وتمنع الانفجار، لكنها لا تصبح مسارًا للحل إلا إذا أنتجت تغييرًا قابلاً للقياس: انسحابًا، انتشارًا فعليًا للجيش، وآلية واضحة لتنفيذ الالتزامات. وهنا تمامًا المعضلة لدى عون: إذا تحولت المفاوضات إلى أداة لاستعادة السيادة، يصبح بقاء كرم انتصارًا لخيار الدولة، أما إذا استمرت الجولات فيما يستمر الواقع العسكري الإسرائيلي، فستتحول المفاوضات نفسها إلى مادة يستخدمها خصوم هذا الخيار للطعن فيه.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الجولة الثامنة ستنعقد، بل ماذا سينتج عنها؟