ماذا يجري في محيط تلة "​علي الطاهر​"، وهل صحيح أن هناك محاولة ​إسرائيل​ية رابعة لإسقاط هذه التلة الاستراتيجية، على الرغم من وقف النار الهشّ القائم، وكيف سيتصرف "​حزب الله​" بمواجهة هذه المحاولات؟

بموازاة الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران خلال شهري شباط وآذار من العام 2026 الحالي، حاول الجيش الإسرائيلي احتلال تلة "علي الطاهر" التي ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، في إطار خطته للسيطرة على أبرز التلال الاستراتيجية في الجنوب، لكنه فشل في ذلك بفعل المقاومة الشرسة التي لقيها من جانب مقاتلي "حزب الله". وفي منتصف حزيران الماضي، وفي الوقت الذي كانت فيه كل من واشنطن و​طهران​ تعملان على إتمام "مذكرة التفاهم" بينهما، سعت إسرائيل جاهدة لاحتلال هذه التلة الاستراتيجية، استباقًا لضغوط وقف عملياتها العسكرية الواسعة النطاق في لبنان، إلا أنها تكبّدت خسائر إضافية في الأرواح والعتاد، ما اضطرها لوقف هذه الجولة الجديدة من محاولات التقدم، خاصة وأن إيران هددت أميركا بالانسحاب كليًا من اتفاق التفاهم ما لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، وفي ظل اتفاق وقف الأعمال العدائية الهش المطبّق في لبنان، حاول الجيش الإسرائيلي مرة ثالثة السيطرة على تلة "علي الطاهر" عبر شن عمليات تسلل سيرًا على الأقدام تحت جنح الظلام، بعدما كانت المحاولات السابقة قد شهدت استعمال الدبابات والمدرعات التي تعرّضت للقصف والتدمير بصواريخ "الحزب" المضادة للدروع والمسيّرات الانقضاضية. لكن المفارقة اللافتة أنه على الرغم من أن "حزب الله" أوقف كل أنواع الردود على الخروقات الإسرائيلية لوقف النار، تجنبًا لاشتعال مختلف الجبهات من جديد، إلا أنه لا يتهاون أبدًا في الدفاع عن تلة "علي الطاهر"، وقد شهدت بعض ليالي الأيام والأسابيع القليلة الماضية أكثر من مواجهة محدودة في المنطقة المذكورة، بقيت تفاصيل كل منها بعيدة عن الإعلام. لكن المؤكد أن مقاتلي "الحزب" واجهوا كل محاولات التسلل الإسرائيلية بالأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة، واضطروا في عدد من الحالات إلى استعمال طائرات صغيرة من دون طيار لتصوير التحركات الإسرائيلية، وحتى مسيّرات انقضاضية لضرب القوى المعادية التي تحاول التسلل. وخلال الأيام الأخيرة، بدأت قوات الاحتلال تطبيق تكتيك عسكري جديد في محاولة رابعة للسيطرة على التلة التي سُميت نسبةً إلى مقام "علي الطاهر" الموجود على قمتها، قضى بما يلي:

أولاً: إحكام الطوق والحصار على التلة عبر محاولة قطع كل طرق الإمداد العسكري من سلاح وذخائر، والإمداد اللوجستي من غذاء وماء، عن المقاتلين المتمركزين داخل ما تصفه إسرائيل بالمنشأة العسكرية البالغة الأهمية.

ثانيًا: استعمال الطائرات المسيّرة وحتى المقاتلات الحربية في بعض الأحيان لشن غارات متكررة على تلة "علي الطاهر" ومحيطها، لموازاة تكثيف القصف المدفعي عليها.

ثالثًا: زيادة استخدام روبوتات يتم التحكم بها آليًا عن بُعد، لاستطلاع ممرات المنطقة، وتجنب تعرّض الجنود الإسرائيليين للخطر نتيجة الطبيعة الجغرافية الوعرة والمقاومة الثابتة.

رابعًا: تنفيذ أكثر من عملية تسلل ميداني، غالبًا تحت جنح الظلام، بالتحرك من منطقة ​قلعة الشقيف​ باتجاه التلة.

خامسًا: تردد في معلومات لم يتم تأكيدها من أي مصدر يتمتع بالمصداقية، أن قوات الاحتلال بدأت أخيرًا إرسال روبوتات آلية باتجاه التلة، وبضخ غازات سامة داخل كل الفتحات التي تشتبه أنها مداخل لأنفاق وبنى عسكرية تعود لعناصر "الحزب".

ومن الضروري الإشارة إلى أن إصرار إسرائيل على إسقاط "علي الطاهر" يعود إلى أن سقوط التلة يكشف مساحات واسعة شمال نهر الليطاني، ويمنح إسرائيل رصدًا كاملًا ل​مدينة النبطية​، وكذلك سيطرة نارية على مساحات واسعة تمتد من النبطية غربًا إلى مرتفعات ​إقليم التفاح​ وسواحل الجنوب، الأمر الذي من شأنه عزل أجزاء واسعة من الجنوب ومنع وصول التعزيزات والإمدادات إليها. وبحسب الإسرائيليين، فإن "علي الطاهر" تضم أنفاقًا ضخمة تحت الأرض، منها قاعدة "​عماد 4​" التي استعرضها "الحزب" في السابق في أحد الفيديوهات، وهي تحتوي أيضًا على القيادة المركزية لوحدة "بدر" التي تُعد أبرز الوحدات العسكرية بعد "​قوة الرضوان​".

في الختام، يتردد أن الاستهداف المباشر والمتكرر من قبل الجيش الإسرائيلي لحرش "علي الطاهر"، ولأطراف بلدات النبطية الفوقا، و​كفرتبنيت​، وأرنون، إضافة إلى الأحراج والمنطقة الواقعة بين ميفدون وزوطر الشرقية وتلة الدبشة، يدخل في سياق تحضير قوات الاحتلال الأرضية لاقتحام التلة بمجرد تأمين "الضوء الأخضر" لذلك من جانب القيادة السياسية الإسرائيلية، التي تحاول بدورها الاستحصال على غضّ طرف أميركي لتنفيذ العملية عندما تكون الظروف الميدانية مناسبة. وهذا الموضوع هو محل متابعة دائمة من جانب الإسرائيليين مع المسؤولين الأميركيين، بدءًا من المبعوث الأميركي ​الجنرال جوزف كليرفيلد​ الذي تحرّك إلى المنطقة لتذليل عقبات التفاوض بين بيروت وتل أبيب، وصولًا إلى أعلى الهرم في الإدارة الأميركية. لكن بالتأكيد، إن "حزب الله" الذي يتابع عن كثب مختلف التحركات الميدانية لقوات الاحتلال في محيط التلة، سيسعى بكامل قدراته العسكرية إلى إفشال أي محاولة إسرائيلية واسعة النطاق لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه ميدانيًا حتى تاريخه، في حين ستتولى طهران رفع مستوى الضغط على واشنطن، في حال بلغت الأمور مرحلة المعركة الواسعة لتغيير الواقع القائم حاليًا في الجنوب. فـتلة "علي الطاهر" تُعد إحدى أبرز قواعد الخط الدفاعي الثاني لمقاتلي "الحزب"، ولا يمكن التفريط بها بأي شكل من الأشكال، حتى لو تفجّر الوضع الأمني برمته من جديد.