افتعل رئيس الحكومة نواف سلام معركة "دونكيشوتية" مع وزير الدفاع ميشال منسى، عنوانها الدفاع عن صلاحيات الرئاسة الثالثة والتضامن الوزاري، مخالفًا بذلك كل الأعراف والقوانين التي لا تمنحه الحق بمنع الوزير من الكلام في الجلسة التشريعية. وساهم، عن قصد أو جهل، في تطيير النصاب وتأجيل التصويت على قانون العفو العام، الذي كرّسه رسميًا بالأمس عنوانًا طائفيًا بغيضًا. كان يفترض أن يكون إقراره حلًا لمشكلة، فحوّله، عن سابق تصور وتصميم، إلى معركة كسر للمؤسسة العسكرية، وتقصّد منع صوتها من الوصول إلى الرأي العام، في ملف يتعلق بكرامة جنودها وضباطها المقتولين غيلة على يد قتلة، يهرول البعض للعفو عنهم لدوافع سياسية ومذهبية، لا علاقة لها بالسيادة أو الوطنية.
بالقانون، ما ارتكبه سلام من خطيئة يُعد سابقة في العمل البرلماني اللبناني. فالمادة 67 من الدستور تنص على أن الوزراء يجب أن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام، والمواد 124 و131 و132 من النظام الداخلي لمجلس النواب واضحة في ما يتعلق بصلاحيات الوزير الدستورية، ولا يحق لرئيس الحكومة أن يختزل الوزراء ودورهم، وإلا فلماذا يشاركون في جلسات مجلس النواب؟ وكما جرت عليه الأعراف، يحق لرئيس مجلس النواب نبيه بري أن يعطي الإذن بالكلام للجميع ولرئيس الحكومة، وإذا طلب من أحد الوزراء أن يرد على تساؤلات النواب، فلا يحق لرئيس الحكومة أن يمنع الوزير من الكلام. وهكذا يحق لأي وزير أن يتكلم في المجلس النيابي ويعطي رأيه، حتى لو كان لرئيس الحكومة ومجلس الوزراء رأي آخر.
لا شك أن افتعال هذه الأزمة غير متصل بموقف شخصي من رئيس الحكومة تجاه وزير الدفاع، واتهام سلام لمنسى بوضع الجيش بوجه الطائفة السنية في حال عدم إقرار العفو، وبكاء الأخير بسبب كلامه، يعبر بوضوح عن صدق ونزاهة ضابط أمضى 40 عامًا في مؤسسة لا تفرق بين جنودها وضباطها طائفيًا أو مذهبيًا، وعن حقيقة النوايا المبيتة لدى رئيس الحكومة تجاه المؤسسة العسكرية. التي أراد الوزير إيصال صوتها إلى نواب الأمة، لوضعهم أمام مسؤوليتهم الوطنية، دون أن يكون للموقف تأثير مباشر على مآلات التصويت، بعد أن "طُبخ" القانون بين القوى النافذة والفاعلة قبل الجلسة التشريعية. لكن "الحقد" الدفين من قبل سلام على المؤسسة العسكرية دفعه إلى استخدام كافة "الأسلحة المحرمة"، وباسم الطائفة وصلاحياتها، رمى بثقله لحجب صوت الجيش، في محاولة لتقليم أظافر قيادته التي أظهرت صلابة في مواجهة الكثير من القرارات المتهورة التي كادت تأخذ البلاد إلى الفوضى.
ويبدو أن سلام وجد الفرصة سانحة لمحاولة تعويم نفسه وإصلاح صورته، وتوجيه سهامه إلى "اليرزة" من بوابة قانون العفو العام، الذي قدم وعودًا للخارج القريب والبعيد بتمريره، فسكنه الخوف من أن يهز صوت قيادة الجيش ضمائر النواب، فعلاً صوته في أروقة مجلس النواب، وأصيب بنوبة هستيرية أصابت الحاضرين بالذهول، فقط لمنع منسى من قول كلمة حق باسم العسكر، الذي أراد أن يقول "كلمته ويمشي" ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
وفي هذا السياق، ووفقًا للقول المأثور "من فمك أدينك"، أوضح سلام في معرض شرح موقف قيادة الجيش من قانون العفو، "أنه سبق أن عُرض أمام اللجان النيابية عبر وزير الدفاع، الذي سلّم أيضًا مذكرة خطية في هذا الشأن حسب الأصول وبموافقتي"، مشيرًا إلى أن ذلك حصل قبل إقرار الصيغة النهائية للاقتراح المطروح أمام النواب. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تمنع الوزير من إلقاء كلمة الجيش؟ إذا كانت الأمور محسومة، فما الذي تخشاه ويخيفك حتى تفتعل أزمة كانت البلاد بغنى عنها؟! أما استعراض سلام للجهود التي بذلتها الحكومة لتأمين الدعم للجيش وتجهيزه ورفع رواتب أفراده وضباطه والحفاظ على معنوياته، فهذه ليست منة من أحد، بل واجبات أي رئيس حكومة، وأنت لا تزال مقصرًا جدًا جدًا...
سقط القناع، ولم تعد مساحيق التجميل قادرة على إخفاء الوجه البشع في التمترس وراء الطائفة، في محاولة للإنقاذ من الفشل، لكنها لعبة خطيرة للغاية، خصوصًا مع عدم ممانعة الزج بالمؤسسة العسكرية في معارك "الدونكيشوتية" التي باتت تستدعي مراجعة جدية من العقلاء في البلد، لإحداث تغيير بات ملحًا، قبل أن تتسبب بحريق قد يصعب السيطرة عليه.