تحمل التعيينات العسكرية والأمنية التي أجراها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في توقيتها وتركيبتها مؤشرات واضحة إلى طبيعة المرحلة التي تستعد طهران لإدارتها، سواء بقي مسار المواجهة مفتوحاً أو انتقل إلى تفاوض جدي مع الولايات المتحدة، فاختيار ستة من كبار القادة لمواقع أساسية في هيئة الأركان والحرس الثوري والباسيج يعكس محاولة لإعادة بناء سلسلة القيادة بسرعة، ولكن أيضاً لإعادة تحديد مركز القرار العسكري والأمني في المرحلة الحالية.
الأكثر دلالة في هذه التعيينات هو أنها أعادت إلى الواجهة مجموعة من الأسماء المرتبطة بالحرس الثوري وبالمدرسة الأمنية والعسكرية الأكثر تشدداً في إيران، إذ إن تعيين أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري، إلى جانب مصطفى إيزدي نائباً له، لا يمكن فصله عن الحاجة الإيرانية إلى إعادة تنظيم المؤسسة التي تشكل العمود الفقري للمنظومة العسكرية والأمنية، ولا عن تجربة الحرب الأخيرة التي أظهرت حجم الخلل الذي يمكن أن يصيب القيادة الإيرانية إذا تعرضت مراكز القرار لضربات مركزة. وفي الوقت نفسه، فإن تعيين حسين طائب على رأس الباسيج يضيف بعداً داخلياً إلى عملية إعادة الهيكلة، باعتبار أن الباسيج يمثل إحدى الأدوات الأساسية في إدارة الأمن الداخلي.
ومن هنا، يمكن فهم التعيينات على أنها محاولة من السيد الخامنئي لتثبيت قبضته على المؤسسات التي تشكل عملياً قاعدة القوة في النظام الإيراني، فالمرشد الجديد، الذي وصل إلى موقعه في ظروف استثنائية وعلى وقع حرب مفتوحة، لا يستطيع ترك المؤسسة العسكرية والأمنية في حالة انتقالية، ولا يستطيع السماح بتعدد مراكز القرار داخل الحرس أو الأركان.
ولذلك تأتي إعادة توزيع المواقع الكبرى لتقول إن مرحلة انتقال السلطة انتهت، وإن القيادة الجديدة بدأت تنتقل من تثبيت شرعيتها إلى بناء منظومة حكم قادرة على إدارة حرب طويلة أو تسوية صعبة، ولكن الرسالة الأهم من التعيينات تتجه إلى الخارج، وتحديداً إلى واشنطن، لأن اختيار شخصيات ذات خلفية عسكرية وأمنية ثقيلة في هذه اللحظة يعني أن طهران تريد أن تدخل أي تفاوض وهي تمتلك قيادة عسكرية متماسكة وقادرة على التهديد بالتصعيد إذا فشلت الاتصالات السياسية.
في الحساب الإيراني، فإن التفاوض من دون إعادة بناء القدرة على الردع يمكن أن يتحول إلى تفاوض تحت الضغط، بينما التفاوض المدعوم بإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية يمنح القيادة هامشاً أوسع للمناورة وتثبيتًا للمواقف وجهوزية للحرب،
وهذا ما يجعل توقيت التعيينات مهمًا، لأنها تأتي في وقت لا تزال فيه العلاقة مع واشنطن محكومة بمزيج من الضغوط العسكرية والاقتصادية والمفاوضات والرسائل، وفي ظل بقاء مضيق هرمز إحدى أبرز أوراق القوة الإيرانية، وبالتالي فإن إعادة ترتيب قيادة الحرس، وخصوصاً القوة البحرية التابعة له تأتي في لحظة أصبحت فيها السيطرة على المجال البحري والقدرة على تهديد حركة الملاحة جزءاً أساسياً من المعادلة التفاوضية.
اللافت كذلك أن السيد مجتبى الخامنئي لم يتجه إلى إبعاد الحرس الثوري عن مركز القرار، بل فعل العكس، فالتشكيلة الجديدة تؤكد استمرار الحرس باعتباره المؤسسة الأكثر تأثيراً في صياغة القرار الأمني والعسكري الإيراني، وهذا يحمل دلالة خاصة على طبيعة العلاقة التي يريد المرشد الجديد بناءها مع المؤسسة التي لعبت دوراً أساسياً في تثبيت النظام خلال الأزمات السابقة، والتي تملك في الوقت نفسه نفوذاً واسعاً في السياسة والاقتصاد والأمن.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن إعادة بناء القيادة العسكرية الإيرانية تعني أن الرهان على إحداث فراغ طويل داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية سيكون قد انتهى، فطهران تحاول أن تثبت أن الضربات التي طالت قادتها لم تؤد إلى تفكك القيادة، بل دفعتها إلى إعادة ترتيب نفسها بسرعة وبوجوه تمتلك خبرة طويلة داخل الحرس والمؤسسات الأمنية وأقسى من القيادات السابقة، وعليه، فإن ما فعله المرشد الإيراني الجديد يمكن اختصاره بأنه انتقال من مرحلة تثبيت السلطة إلى مرحلة بناء منظومة حكم حرب، جاهزة للتفاوض وجاهزة للحرب أيضًا.

























































