لم يكن إقرار ​العفو العام​ أمرًا ثانويًا، بعد سنوات من التجاذبات التي حالت دون الوصول إلى هذه النتيجة في الماضي، إذ يبقى العنوان الرئيسي أن هناك تسوية سياسية حصلت، بناءً على توازنات جديدة في البلاد فتحت الباب أمام هذا الواقع، الذي قد يكون مرتبطًا بملفات أخرى ستظهر في المرحلة المقبلة.

المشهد الذي سيطر على ​المجلس النيابي​ في اليومين الماضيين، تحديدًا الخلاف بين رئيس الحكومة ​نواف سلام​ ووزير الدفاع ​ميشال منسى​، لا يعكس حقيقة المشهد القائم بأكمله، نظرًا إلى أن هناك أغلبية نيابية كانت مؤيدة لإقرار هذا القانون في نهاية المطاف، بعد التعديلات التي أُدخلت عليه.

في هذا السياق، توضح مصادر نيابية، عبر "النشرة"، أن منطق العفو العام ليس سليمًا، خصوصًا في بلد مثل ​لبنان​، إذ إن المطلوب هو الذهاب إلى تطبيق مبدأ ​العدالة​ الذي يقوم على أساس تأمين محاكمات سريعة لمختلف الموقوفين، لكن ما حصل جاء نتيجة الإهمال القائم منذ سنوات طويلة، حيث تكمن المعضلة في أن النقاش في هذا الأمر يعود إلى الواجهة كل فترة زمنية.

وبحسب هذه المصادر، فإن الخطر الأكبر تمثل في أن هذا القانون تحول إلى ملف طائفي بامتياز، إذ كان يتم التطرق في جميع النقاشات إلى هذه المسألة على أساس أن كل طائفة معنية بمجموعة من الموقوفين دون سواها، في حين تورط رئيس الحكومة، عن قصد أو عن غير قصد، في زيادة المشكلة، عبر الكلام الذي توجه به إلى وزير الدفاع، بينما كان المطلوب منه أن يبتعد عن ذلك، لا سيما أن المسألة كانت تتعلق ب​المؤسسة العسكرية​.

على كل حال، أقر المجلس النيابي قانون العفو العام في نهاية المطاف، لكن السؤال الأهم يبقى حول القدرة على معالجة الخلل الذي من الممكن أن يقود، بعد سنوات، إلى إعادة فتح هذا الملف من جديد، أي التسريع في المحاكمات التي تعطي كل صاحب حق حقه بالقانون، بدلاً من البحث عن هذا النوع من التسويات السياسية ذات الطابع الانتخابي.

من وجهة نظر المصادر النيابية، هناك مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات المعنية كافة من أجل متابعة هذه المسألة، لكنها تشير إلى أن ما ينبغي التوقف عنده في هذا المجال هو الحديث المتكرر عن تدخلات خارجية فرضت إقرار العفو العام هذه المرة، انطلاقًا من أن هناك توازنات جديدة على مستوى المنطقة تفرض نفسها، تحديدًا بعد التحول الذي حصل على الساحة السورية.

وترى هذه المصادر أن هذا الواقع، في حال صحت هذه المعلومات، يفتح الباب أمام طرح الكثير من علامات الاستفهام حول مجموعة واسعة من الملفات الأخرى المهمة التي لا تزال عالقة، لا سيما أن ضغوطًا مشابهة كانت قد فرضت نفسها في الأشهر الماضية على بعضها، ما يعني الذهاب إلى إضعاف مؤسسات الدولة على نحو أكبر، في حين أن الخطاب الرسمي يقوم على أساس السعي إلى تقويتها في المرحلة المقبلة لا العكس.

في المحصلة، تشدد المصادر نفسها على أن هناك أزمة لا ينبغي التغاضي عنها، تكمن في كيفية مقاربة الملفات المهمة التي يزداد الطابع الطائفي فيها، بغض النظر عن أحقيتها ونوعيتها، خصوصًا أن غالبية النواب يدخلون في قلب لعبة تصب في إطار تعزيز حضورهم الشعبي، بغض النظر عن التداعيات التي من الممكن أن تترتب على ذلك، والتي وصلت إلى حدود من المفترض أن تكون من المحرمات.