احتاج ​قانون العفو​ العام إلى أكثر من ثماني جلسات عقدتها اللجان النيابية المشتركة، قبل أن تُقرّ في 19 أيار صيغة وُصفت بأنها توافقية، لكنها لم تصل يومها إلى التصويت. فقد أجّل رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ الجلسة التي كانت مقررة لإقراره، بعدما خرجت اعتراضات إلى الشارع وارتفع منسوب الخطاب الطائفي، ووضع للتأجيل عنوانًا واضحًا هو البحث عن توافق يحمي القانون من أن يتحول إلى سبب لانقسام إضافي.

عاد القانون إلى الهيئة العامة في تموز، إلا أن التصويت لم يحصل أيضًا. انسحب نواب تكتل "​الجمهورية القوية​" وفقدت الجلسة نصابها، فانتهى الخلاف من دون قرار. تكرر المشهد مساء الثلاثاء، عندما غادر نواب "​حزب الله​" و"​التيار الوطني الحر​" وآخرون القاعة خلال السجال حول حضور وزير الدفاع ​ميشال منسى​ وإلقائه كلمة تتصل بموقف المؤسسة العسكرية، فتوقف المسار مرة جديدة عند حدود النصاب.

صباح الأربعاء تبدلت النتيجة من دون أن ينتهي الخلاف. انسحبت الكتل نفسها تقريبًا، وبقيت اعتراضاتها السياسية والقانونية قائمة، إلا أن عدد النواب الموجودين كان كافيًا لاستمرار الجلسة وإقرار العفو. لم يتحقق إجماع جديد خلال ساعات، ولم يتراجع المعترضون عن مواقفهم. الذي ظهر هو أن المجلس أصبح مستعدًا لاتخاذ القرار في ظل خلاف كان يؤدي قبل أشهر إلى تأجيل الجلسة أو إسقاطها.

بين أيار وآب، انتقل العفو من قانون يؤجَّل لأن التوافق حوله غير مكتمل إلى قانون يُقرّ رغم انسحاب كتلتين أساسيتين. فما الذي تغيّر في تعريف التوافق، ومن يحدد أن الخلاف لم يعد سببًا كافيًا لمنع التصويت؟

توافق لم يشترطه الدستور

ما هو ثابت من حيث المبدأ، هو أنّ الدستور لا يفرض إجماع الكتل على القوانين، إذ تنص المادة 34 من الدستور على أن اجتماع مجلس النواب لا يكون قانونيًا ما لم تحضره أكثرية الأعضاء، وأن القرارات تُتخذ بغالبية الأصوات. أما التوافق فهو معيار سياسي نشأ من طبيعة النظام ال​لبنان​ي وحساسية القوانين التي تمس توازنات طائفية أو مصالح فئات واسعة، من دون أن يتحول إلى شرط قانوني مستقل يسبق كل تصويت.

اكتسب هذا المعيار في ملف العفو وزنًا إضافيًا لأن القانون لم يُقدَّم بوصفه معالجة جزائية عامة فقط. فقد دخلت إليه مطالب الموقوفين الإسلاميين، والمحكومين في جرائم المخدرات، والفارين إلى إسرائيل بعد عام 2000، إلى جانب حقوق ضحايا الجرائم وعائلات شهداء الجيش. لذلك كان أي اختلال في توزيع المستفيدين قابلًا لأن يُقرأ بوصفه انحيازًا إلى طائفة أو فئة، لا مجرد خلاف بين نواب على مدد العقوبات والاستثناءات.

لذلك، عندما أُجّلت جلسة أيار، لم يكن العائق الحقيقي أنّ المجلس كان عاجزًا بالضرورة عن جمع عدد كاف من النواب للتصويت على الاقتراح. إلا أنّ الغطاء السياسي للقانون كان أضيق من أن يتحمل التصويت. وبهذا المعنى، أعطى التأجيل القوى المعترضة قدرة عملية على منع إقرار النص حتى قبل اختبار الأكثرية داخل القاعة، فتحول التوافق من رغبة في توسيع التأييد إلى ما يشبه شرطًا سياسيًا لفتح باب التصويت.

ماذا تغيّر في النص والقاعة؟

بين أيار وآب، فُتحت الصيغة التي أقرتها اللجان المشتركة أمام تعديلات إضافية. وفي النص النهائي خُفّضت المدة التي تتيح إخلاء سبيل الموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم من 14 إلى 12 سنة سجنية، وحُذفت كلمة "مبرم"، التي كانت قد أثارت جدلًا واسعًا في الأيام الأخيرة، بما حصر الاستفادة بهذه المادة بمن لم يصدر بحقه أي حكم. كما بقي الحق الشخصي محفوظًا، واستمرت الاستثناءات المتعلقة بالجرائم الأشد خطورة.

لم تُنهِ هذه التعديلات الاعتراضات، لكنها أعادت توزيعها. توحّد النواب السنّة حول تمرير القانون، فيما بقي في القاعة نواب "القوات اللبنانية" و"اللقاء الديمقراطي" وكتلة "التنمية والتحرير" والكتائب والتغييريون ونواب آخرون. لم تجمع هؤلاء قراءة واحدة للعفو، ولم يتحولوا إلى تحالف سياسي، لكنهم وفروا معًا أكثرية عابرة للطوائف قادرة على تحمّل كلفة إقراره.

هنا يمكن العثور على الفارق الأهم بين أيار وآب. التوافق الذي سمح بالتصويت لم يكن موافقة الجميع، بقدر ما كان توافر غطاء متنوع يمنع تصوير القانون على أن طائفة فرضته على أخرى، ما من شأنه أن يتسبّب بتوترات قد لا يكون البلد في واردها حاليًا. صحيح أنّ كتلًا أساسية واصلت اعتراضها على القانون، لكن اعتراضها لم يعد كافيًا لنزع الصفة الوطنية عن الأكثرية التي بقيت في القاعة.

انسحابان ونتيجتان

أبعد من دلالات إقرار قانون العفو، يكشف ما جرى في مجلس النواب خلال يومين حدود الانسحاب بوصفه أداة للتعطيل. فمساء الثلاثاء، أدى خروج المعترضين مع تدني عدد الحاضرين إلى فقدان النصاب، فتوقفت الجلسة قبل التصويت على العفو. صباح الأربعاء، تكرر الانسحاب، إلا أن الكتل الباقية حافظت على العدد المطلوب، فتحول الخروج من وسيلة تمنع القرار إلى موقف احتجاجي لا يغيّر نتيجته.

ما يُستنتج من ذلك هو أنّ أيًا من الأفرقاء الحاليين لا يملك منفردًا العدد الكافي لإسقاط الجلسة. تنجح المقاطعة عندما يلتقي المنسحبون مع غياب كتل أخرى، أو عندما تقرر قوى غير معنية بالبند ألا تتحمل مسؤولية إبقاء النصاب. لهذا نجح انسحاب "القوات اللبنانية" في تموز، ونجح انسحاب "حزب الله" و"التيار" مساء الثلاثاء، ثم فشل الخروج نفسه في منع التصويت صباح الأربعاء.

أعاد ذلك الاعتبار إلى أكثرية الحضور، لا إلى أكثرية سياسية ثابتة. فالكتلة التي تغادر القاعة تترك للآخرين صياغة النتيجة، وقد يصبح تصويتها ضد القانون أو محاولتها تعديله أكثر تأثيرًا من الانسحاب إذا لم تكن تملك العدد الكافي لإسقاط النصاب.

خرجوا من العفو وعادوا إلى ​المصارف

ثمّة مفارقة لا بدّ من التوقف عندها، فالمقاطعة لم تستمرّ بعد انتهاء بند العفو. هكذا، عاد نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" إلى القاعة مع بدء مناقشة تعديلات قانون إصلاح وضع المصارف، كما عاد رئيس لجنة المال والموازنة ​إبراهيم كنعان​ للمشاركة في النقاش. أُقر القانون بعد ذلك مع تعديلات اقترحها ​وزير المالية​، فتشكلت حوله أكثرية مختلفة عن تلك التي أقرت العفو قبل ساعات.

تعني هذه العودة أن الانسحاب لم يكن موقفًا من شرعية الجلسة أو من قدرة المجلس على التشريع. اقتصر على مقاطعة بند محدد. فالكتلة تستطيع أن تكون خارج أكثرية العفو وداخل أكثرية قانون المصارف، فيما تصوت قوى أخرى بالطريقة المعاكسة. بذلك لا يعود المجلس منقسمًا بين أكثرية دائمة وأقلية دائمة، وتتغير خارطة الحضور والتصويت عند الانتقال من قانون إلى آخر.

هذا النموذج يحرر التشريع جزئيًا من شرط التسويات الشاملة، لكنه يحمل مشكلة مقابلة. فالأكثريات المتحركة قد تسمح بتمرير القوانين، إلا أنها تجعل المسؤولية السياسية عن مجمل المسار أقل وضوحًا، لأن كل كتلة تستطيع المشاركة في قانون والانسحاب من آخر من دون أن تتشكل أكثرية تتحمل نتائج البرنامج التشريعي كاملًا.

التوافق الكافي لا التوافق الكامل

في الخلاصة، لم يختف سلاح النصاب بعد إقرار العفو. ففي مساء الأربعاء نفسه، تعذر استئناف الجلسة بعدما اقتصر الحضور على 49 نائبًا. نجح المجلس صباحًا في الحفاظ على نصابه رغم انسحاب كتلتين، فأقر العفو ثم قانون إصلاح المصارف، لكنه عجز بعد ساعات عن متابعة بقية جدول أعماله. وهذا يؤكد أن ما تغير ليس وجود الأداة، بقدر ما هو قدرة كل فريق على ضمان استخدامها متى شاء.

من الآن فصاعدًا، لن يكفي أن تعلن كتلة انسحابها كي تفترض أن القانون سقط. عليها أن تعرف من سيخرج معها، ومن سيبقى لتأمين النصاب، وما إذا كان الاعتراض يملك غطاءً يتجاوز حدودها. في المقابل، لن يكون إعلان التوافق مرادفًا للإجماع. يكفي أن توجد أكثرية نيابية متنوعة تستطيع إقرار القانون من دون أن يبدو القرار ناتجًا من غلبة طائفية صريحة.

لهذا لا يقول إقرار العفو إن مرحلة التعطيل انتهت. هو يكشف تغير شروطها. أُجّل القانون عندما اعتُبر الخلاف أوسع من أن يحتمله التصويت، وأُقر عندما أصبحت الأكثرية الموجودة في القاعة كافية قانونيًا ومتنوعة سياسيًا. وبين المحطتين، بقي السؤال من دون معيار مكتوب: متى يكون الاعتراض سببًا للبحث عن تسوية جديدة، ومتى يصبح خلافًا طبيعيًا يُحسم بالأصوات؟