نقلت صحيفة "الأخبار" عن قائد ميداني في بحرية ​الحرس الثوري​ تفاصيل عمّا جرى في عرض البحر منذ إغلاق ​مضيق هرمز​، متحدثاً عن مستوى جاهزية ​القوات الإيرانية​ للسيناريوات المقبلة، ولا سيما احتمال تجدّد ​الحرب​ أو محاولة القوات الأميركية فتح "هرمز" بالقوة والسيطرة على ​الجزر الإيرانية​.

وبحسب "الصحيفة"، استعاد القائد الميداني الساعات الأولى التي أعقبت صدور قرار إغلاق مضيق هرمز، قائلاً: "كنّا مستعدين لخيار إغلاق المضيق منذ سنوات طويلة. وقبل اغتيال السيد ​علي الخامنئي​ بأيام، كنّا في حال تأهّب قصوى، كما نفّذنا مناورات تحاكي إغلاق المضيق والدفاع عن الجزر. وعندما أصدر قائد القوة البحرية في الحرس الثوري، الشهيد ​علي رضا تنكسيري​، قرار الإغلاق، انتقلنا من حال التأهب إلى الحال الهجومية".

وأضاف: "أبلغنا جميع السفن، عبر القناة 16 في أجهزة الاتصال اللاسلكي، وهي قناة الاتصال العامة للسفن حول العالم، بقرار إغلاق المضيق، وحذّرنا من أن أيّ سفينة تحاول العبور ستكون عرضة للاستهداف من دون تردّد". وأشار إلى أن كثيرين لم يأخذوا التحذير الإيراني على محمل الجد في البداية، "لكن عندما أُطلق أوّل صاروخ، بعد دقائق من قرار الإغلاق، سادت حال من الصدمة لدى السفن العابرة من المضيق".

وأشار القائد إلى أن دولاً خليجية تواصلت في اليوم نفسه مع الجانب الإيراني، طالبة السماح لسفنها بالعبور، إلا أن الجواب جاء بـ"الرفض من دون نقاش". ووفق روايته، كانت ​الإمارات​ أول من تواصل مع إيران في هذا الشأن، قبل أن ترسل وفداً إليها في الأيام الأولى للحرب للمطالبة باستمرار تصدير الخضروات الإيرانية.

وقال: "نظراً إلى أن وقف هذا التصدير كان سيضرّ بالشعب الإماراتي بشكل كبير جدّاً، وكوننا لا نعادي هذا الشعب والناس الأبرياء بشكل عام، وافقت إيران على استمرار تصدير الخضروات"، لافتاً إلى أن التصدير استمر حتى في ذروة الاشتباكات البحرية وقصف القواعد الأميركية في الإمارات.

وعن جولات القتال في عرض البحر، قال القائد الميداني إن القوات الإيرانية "لم تخُض اشتباكاً بحرياً مباشراً مع الأميركيين، لأنهم لم يأتوا إلى مضيق هرمز"، موضحاً أن الجيش الأميركي اعتمد على سلاح الجو فقط، من صواريخ ومسيّرات.

وأضاف أن "مروحياتهم تحلّق بصورة دائمة فوق منطقة ​الخليج الفارسي​، ولكن بالقرب من مناطق جنوب الخليج، ولا تجرؤ على الاقتراب من مناطق وجود قواتنا. وأذكر أن مروحيّتَي "بلاك هوك" اقتربتا، مرّتَين، من منطقة انتشارنا في مضيق هرمز، لكنهما سرعان ما تراجعتا بعدما شعرتا بالخطر الذي كان يتهدّدهما من قِبل قواتنا".

ونفى القائد الميداني، وفق "الأخبار"، مزاعم دخول سلاح البحر الأميركي إلى مضيق هرمز، مؤكداً أنهم "لم يأتوا بأساطيلهم وبسفنهم الكبيرة ولا بحاملة طائراتهم". لكنه أشار إلى أن الأميركيين تمكّنوا مرة واحدة من "العبور بفرقاطتَين صغيرتَين مخصّصتَين لخفر السواحل، عبر المسار الجنوبي قبالة خصب ومسندام"، مضيفاً أن الجيش الإيراني "أصاب إحداهما بصورة جزئية".

وتابع: "منذ تلك الحادثة، لم يقترب الجيش الأميركي مجدّداً من مضيق هرمز. أرادوا اختبار قدرتهم على العبور، وشاهدوا قدرتنا على الرصد والاستهداف، فتراجعوا".

وفي شأن المواقع التي استهدفتها القوات المسلحة الإيرانية خلال الحرب، قال القائد إن طهران تمتلك "بنك أهداف شاملاً وواسعاً للجيش الأميركي في المنطقة"، وإنه "يجري تحديثه بشكل دائم عبر عمليات الرصد الميداني والاستخباري".

ونفى في الوقت نفسه أن تكون القوات الإيرانية تعمّدت استهداف منشآت مدنية في دول المنطقة، قائلاً: "ليس صحيحاً أننا نستهدف منشأة مدنية بهدف إلحاق الضرر بإخواننا في شعوب المنطقة". وأورد مثالاً على ذلك استهداف جهاز رادار في سلطنة عُمان، رغم "العلاقات الأخوية" بين طهران ومسقط، موضحاً أن الجهاز "كان يبدو في الظاهر تابعاً لخفر السواحل العُماني ويُستخدم لأغراض قصيرة المدى، لكننا اكتشفنا لاحقاً أن الجيش الأميركي يستفيد من المعلومات التي يوفّرها، ولذلك دمّرته القوة الصاروخية".

وعن احتمال تجدّد الحرب، قال القائد: "أتوقّع عودة الحرب بيننا وبينهم في المدة المقبلة، لأن أميركا لا تلتزم بالوعود والاتفاقيات". وأشار إلى أنه "بعد ساعات قليلة فقط من تنفيذ وقف إطلاق النار في 8 نيسان الماضي، استشهد 12 صياداً وبحاراً إيرانياً بنيران الجيش الأميركي في عرض البحر"، متسائلاً: "كيف نستطيع أن نثق بالأميركيين؟".

ورأى أن الجولة الأخيرة من الضربات أظهرت أن الجيش الأميركي "يعاني نقصاً حادّاً في بنك أهدافه داخل إيران، ويحاول تعويض هذا النقص قدر الإمكان". واستشهد بـ"تلّة الله أكبر" في ​بندر عباس​، المعروفة لدى سكان المدينة بوجود برج اتصالات إذاعية مدني فوقها، قائلاً إن القوات الأميركية قصفت المنطقة "مرّات عدة وفي ليالٍ متتالية"، من دون أن تتمكّن من تدمير البرج نفسه، فيما أصابت مبنى إدارياً ملاصقاً له "كان خالياً من أيّ وجود عسكري، واستُشهد فيه مدنيون".

وأضاف: "هذا يدلّ على خطأ في المعلومات أو عدم دقة إصابة صواريخهم". كما أشار إلى الضربات المتكررة على قاعدة بندر عباس الجوية، وكذلك استهداف برج اتصالات مدني بصورة متكررة في منطقة سيريك، معتبراً أن ذلك يدعم "وجود مشكلة في المعلومات الأميركية"، ومتسائلاً: "لماذا يكرّرون ضرب الأهداف نفسها؟ لأنهم لا يملكون معلومات دقيقة عن تحركاتنا ومواقعنا".

وعن تصريحات الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ بشأن "تدمير" القوة البحرية الإيرانية، قال القائد إن "أميركا تمتلك قدرات استطلاع واسعة فوق مياه الخليج عبر إطباق جوي استخباراتي، لكن منذ اليوم الأول للحرب، وحتى اليوم، لم تتوقف دورياتنا البحرية عن رصد السفن المخالفة".

وأوضح أن القوات الإيرانية لا تستطيع الاعتماد على أجهزة الرادار وحدها لمعرفة ما يجري في عرض البحر، مضيفاً: "نقوم بتسيير الدوريات البحرية لتحديث معلوماتنا بشكل مستمر".

وتوجّه إلى ترامب بالقول: "يا سيد ترامب، نحن نتجوّل في الخليج الفارسي أمام أعين طائراتك الاستخبارية ومسيّراتك، ولا تستطيعون إيقافنا، بل إنكم لا تعرفون أين نحن"، مشيراً إلى أن مقتل صيادين إيرانيين بعدما اشتبهت القوات الأميركية في أنهم عسكريون يشكّل، وفق قوله، دليلاً على "الإعماء الاستخباري الذي تعاني منه القوات الأميركية".

ولم ينف القائد نجاح الجيش الأميركي في تدمير بعض القطع البحرية الإيرانية على بعد آلاف الكيلومترات من الساحل الإيراني، ومن بينها الفرقاطتان "جماران" و"دنا"، لكنه قلّل من تأثير ذلك على القدرة البحرية الإيرانية، موضحاً أن القطعتين كانتا مخصّصتين أساساً لـ"الإبحار في محيطات بعيدة وتنفيذ مهمّات استخبارية وتدريبية ومكافحة القرصنة".

وأكد أن "قدراتنا البحرية بألف خير، وما دمّره الجيش الأميركي حتى الآن ليس إلا جزءاً بسيطاً جداً ممّا نملكه".

وعن احتمال تنفيذ عملية أميركية للسيطرة على الجزر الإيرانية وفتح مضيق هرمز بالقوة، استبعد القائد نجاح مثل هذه الخطة، قائلاً إن "الجيش الأميركي لا يستطيع تثبيت وجوده في الجزر الإيرانية، حتى لو تجرّأ ونفّذ هجوماً برياً عليها. ربّما يستطيع تنفيذ هجوم بقوات "المارينز" ثمّ الانسحاب فوراً، أما البقاء في الجزر فهو أمر مستحيل".

وأضاف: "ولنفترض أنهم احتلوا جزرنا وتمكّنوا من تثبيت احتلالهم؛ عندها ستتحوّل الجزر إلى مقبرتهم. فلتأتِ أميركا برّاً، لترى بأعينها نتيجة هذه الحماقة".

وأشار إلى أن سيناريو الهجوم البري على الجزر ليس جديداً في حسابات القيادة العسكرية الإيرانية، بل يعود، وفقاً له، إلى عام 1995، عندما حضر السيد الشهيد علي الخامنئي إلى منطقة الخليج الفارسي للإشراف على مناورات "عاشوراء" البحرية.

وأكد أنه منذ ذلك الحين "وضعت القيادة العسكرية احتمال الهجوم البري على الجزر في صدارة أولوياتها، وأجرت سنوياً مناورات تستند إلى خطط دفاعية وهجومية يجري تحديثها وفقاً للظروف الميدانية"، مضيفاً: "نتحدث عن 31 عاماً من الجاهزية الدائمة".

وحذّر القائد من أن الرد الإيراني على أي محاولة للسيطرة على الجزر "سيتجاوز كلّ التوقعات"، مضيفاً: "بالإضافة إلى تركيزنا على استعادة الجزر، سيكون هناك ردّ غير مسبوق يكسر كلّ الخطوط الحمر السابقة. توقّعوا ردّاً تاريخياً إذا بدأ هذا الهجوم. لن يَسلم أيّ هدف في بنك أهدافنا، مهما كان صغيراً أو كبيراً".

وبحسب القائد، لا تعتمد الخطط الدفاعية للجزر على القوات النظامية وحدها، قائلاً: "نستمدّ أمن جزرنا من أهلها. ففي جزيرة هرمز، مثلاً، تنتشر قوات خاصة، لكن جزءاً كبيراً من أمن الجزيرة يؤمّنه متطوعون من أبنائها".

وأضاف أن عائلات غادرت هرمز بعد اندلاع الحرب عادت لاحقاً إلى الجزيرة للانضمام إلى جهود الدفاع عنها، مشيراً إلى أن أعداد الراغبين في التطوع تتجاوز الحاجة الفعلية، وقال: "لو طلبنا الآن مئة شخص لتنفيذ مهمة معينة، سيتطوّع ثلاثمئة".

كما تحدّث عن إيرانيين من مناطق مختلفة أبدوا استعدادهم لتنفيذ "عمليات استشهادية" ضد القوات الأميركية، وروى أن صحافياً جاء من طهران قال له: "أعطوني زورقاً سريعاً لمواجهة السفن الأميركية، حتى إن لم أعد من المواجهة".

إلا أن القائد أكد أن القوات الإيرانية، في الظروف الحالية، "لا تحتاج إلى عمليات استشهادية"، نظراً إلى ما تمتلكه من قدرات عسكرية، مضيفاً: "هذه المعنويات موجودة بقوة لدى قواتنا وشعبنا. وحتى لو افترضنا أن الأميركيين استطاعوا يوماً تدمير كلّ قدراتنا العسكرية ولم تبقَ لدينا طلقة واحدة، فعندها تبدأ معركتنا الأساسية الاستشهادية".

واختتم القائد الميداني حديثه لصحيفة "الأخبار" بالتأكيد أن فتح مضيق هرمز "لن يتمّ إلا بقرار من القيادة العليا"، قائلاً: "حتى لو استشهدنا جميعاً، سيتصدّى أهالي جنوب إيران للوجود الأميركي في المنطقة، وسيغلقون المضيق بأنفسهم، وسيبقى مغلقاً إلى أن يَصدر قرار السيد مجتبى الخامنئي بفتحه مجدداً".