إذا كان الجزء الأول من اقتراح قانون الإعلام قد أظهر محاولة جادة للانتقال من القانون التقليدي إلى إطار أكثر اتساعًا، فإن الجزء الأكثر حساسية يبدأ عند السؤال الآتي: من يراقب الإعلام عندما تصبح الجهة المنظمة نفسها صاحبة سلطة على الترخيص والتصنيف ووضع المعايير وإصدار المدوّنات المهنيّة وفرض بعض العقوبات؟
هذه ليست مسألة تقنية. ففي القوانين الحديثة، لا تقاس استقلالية الإعلام فقط بعدد المواد التي تنص على الحرية، بل بعدد الحواجز القانونية التي تمنع تحول التنظيم إلى وصاية. والاقتراح اللبناني يضع «هيئة» وطنية للإعلام تتمتع باختصاصات واسعة تشمل التراخيص، والرقابة على الالتزام بالقواعد، وإصدار مدونات السلوك، وإعداد التقارير، والنظر في الشكاوى، واتّخاذ بعض التدابير والعقوبات، فضلًا عن أدوار تتصل بمتابعة التنوع والتعدديّة. ومن حيث المبدأ، إنشاء هيئة مستقلة أفضل من ترك قطاع شديد الحساسية في يد سلطة سياسية مباشرة. لكن كلمة «مستقلّة» لا تصبح ضمانة بمجرد ورودها في النص؛ الاستقلال يحتاج إلى طريقة تعيين واضحة، وضمانات ماليّة، وتوازن في التمثيل، وقواعد تمنع تضارب المصالح، وآليات تمنع تركيز السلطات في يد الجهّة التنظيميّة نفسها.
وهنا تقدم التجارب المقارنة درسًا واضحًا. ففي تونس، مثلًا، لم تُترك بعض الوظائف المهنيّة الأساسية للسلطة التنفيذية وحدها، بل أُنشئت آليّات مستقلّة تضم القضاء وممثلي الصحافيين والإعلام والمؤسسات ذات الصلة(1). وفي الاتحاد الأوروبي، يقوم النموذج الحديث على الفصل النسبي بين وظيفة التنظيم وبين مصالح الحكومة أو المالك، مع تعزيز الشفافية والمساءلة والاستقلال التحريري. أما عندما تكون الجهة نفسها قادرة على منح الترخيص، وفرض شروطه، وتفسير قواعد الممارسة، ثم اتخاذ إجراءات عقابيّة، فالأفضل أن تكون حدود هذه السلطات مرسومة بدقة، وأن يكون الطعن القضائي سريعًا وفعالًا.
والاقتراح اللبناني يتضمن نقطة إيجابيّة في هذا المجال، إذ يفتح باب مراجعة قرارات الهيئة أمام القضاء. لكن فعالية هذه الضمانة ترتبط بسرعة القضاء وقدرته على وقف القرار عند الضرورة. ففي البيئة الإعلامية، التأخير قد يتحول إلى عقوبة بحد ذاته. إغلاق برنامج أو تعليق وسيلة أو فرض غرامة كبيرة بعد سنوات من التقاضي لا يعيد للوسيلة ما فقدته من جمهور أو موارد أو ثقة.
ثم تأتي مشكلة العقوبات الماليّة. ربط الغرامات بمضاعفات الحد الأدنى للأجور قد يبدو وسيلة لضمان فاعلية الجزاء، لكنه يثير سؤال التناسب، خصوصًا بالنسبة إلى وسائل إعلام صغيرة أو منصّات ناشئة. والعقوبة المالية التي تهدّد بقاء مؤسسة إعلاميّة قد تكون في بعض الظروف أشدّ تأثيرًا على حرية التعبير من الحبس نفسه. لذلك ينبغي أن تُبنى الغرامات على معيار الضرر، وطبيعة المخالفة، وحجم المؤسّسة، ودرجة التكرار، والقصد، لا على معادلة حسابيّة ثابتة وحدها.
أما في مسألة الخصوصيّة، فقد حاول الاقتراح أن يرسم خطًا بين الحياة الخاصة والمصلحة العامة، وهو أمر ضروري، لكنه يحتاج إلى مزيد من الدقة. فالسياسي أو الموظف العام لا يفقد حقه في الخصوصية لمجرد توليه منصبًا، لكن مستوى المصلحة العامة يرتفع عندما تكون المعلومة مرتبطة مباشرة بممارسة الوظيفة أو بالمال العام أو بتعارض المصالح. وفي الاتجاه المقابل، يمكن للصياغة الواسعة أن تغري المتضرر بتحويل أي تحقيق صحافي إلى نزاع حول الخصوصية. والمطلوب هنا معيار واضح، لا شعار عام: هل المعلومة تتصل بمصلحة عامة حقيقية؟ هل الحصول عليها ونشرها يخدم هذه المصلحة؟ هل الضرر المتوقع من النشر أكبر بوضوح من المنفعة العامة؟ وهل اتبعت الوسيلة المهنية المعقولة للتحقق؟
والأمر نفسه ينطبق على منع النشر أثناء التحقيقات أو المحاكمات. حماية العدالة حقّ مشروع، كما أن منع التشهير بمحاكمات لم تنتهِ ضرورة في بعض الحالات. لكن الحظر الشامل على تناول قضية «قيد التحقيق» قد يؤدّي إلى تعطيل الصحافة الاستقصائيّة في أكثر الملفّات حساسيّة. المطلوب ليس منع التغطية، بل منع التأثير غير المشروع في العدالة: نشر محاضر تحقيق سرية، أو الضغط على الشهود، أو كشف معلومات محميّة قانونًا، شيء؛ وتحليل ملفّ قضيّة عامة، أو تتبع شبهات فساد، أو مساءلة السلطات عن استخدام المال العام، شيء آخر.
وهنا يظهر مفهوم «المصلحة العامة» بوصفه مفتاحًا تشريعيًا ينبغي ألا يظل غامضًا. كلما اتسع تفسيره لصالح الصحافة، اتسعت مساحة النقاش العام؛ وكلما تُرك من دون معايير، أصبح قابلًا للاستعمال في الاتجاهين.
ومن النقاط التي تستحق المراجعة أيضًا مسألة حق الإعلاميين في العمل النقابي. فالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان لاحظت أنّ الاقتراح يحتاج إلى ضمان صريح لحقّ الإعلاميين في تأسيس النقابات والانضمام إليها بحريّة، بما ينسجم مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسية ومع مبادئ منظّمة العمل الدولية. وهذا ليس تفصيلًا داخليًا للنقابات، بل جزء من استقلال المهنة نفسها. فالصحافي الذي يخشى فقدان عمله بسبب انتسابه النقابي أو بسبب موقف مهني مشروع ليس صحافيًا حرًا تمامًا، حتى لو نص القانون على حرية التعبير مئات المرات.
وفي هذا المجال تحديدًا، من الضروري عدم الخلط بين دور النقابات ودور الهيئة الناظمة. النقابة تمثل العاملين وتحمي مصالحهم المهنيّة والاجتماعية، بينما الهيئة تنظم القطاع وتضمن الالتزام بالقواعد العامة. وقد شهدت اللجان النيابية في مراحل سابقة نقاشًا حول حدود العلاقة بين الفريقين، وهو نقاش لا ينبغي تجاوزه بسرعة، لأن استقلال التنظيم الإعلامي يفترض عدم استخدام النقابة كواجهة للسلطة التنظيمية، كما يفترض في المقابل ألا تتحول الجهة المنظّمة إلى أداة للضغط على التنظيم المهني.
أما الفجوة الأكثر وضوحًا في البيئة الرقمية فتتمثل في أن القانون يحتاج إلى حياد تكنولوجي حقيقي. فالقاعدة القانونية يجب أن تنطبق على الفعل بحسب طبيعته وآثاره، لا بحسب الأداة التي استُخدمت لنشره. وهذا بالضبط ما أشارت إليه الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان عندما انتقدت ازدواجية المعالجة بين الإعلام التقليدي والمحتوى المنشور عبر الحسابات والمنصات الرقمية، معتبرة أن اختلاف الوسيلة لا ينبغي أن يؤدي تلقائيًا إلى اختلاف مستوى الحماية القانونية.
هذه النقطة بالغة الأهمية في زمن الذكاء الاصطناعي. فالخبر الذي يُنتج بصورة مهنية داخل مؤسسة، ثم يعاد توليده أو تلخيصه بواسطة نظام ذكاء اصطناعي، ثم يوزع عبر منصة، لا يمكن أن تحكمه تشريعات تفترض وجود محرر واحد وناشر واحد وقناة توزيع واحدة. القانون الحديث يجب أن يحدّد المسؤوليّة وفق السيطرة الفعلية على المحتوى، ودرجة المعرفة، وواجب التحقق، وحجم الضرر، بدل افتراض مسؤولية آلية لمجرد أن مادة ظهرت على موقع أو منصة.
كذلك لا بد من معالجة العلاقة بين الإعلام والمنصّات الكبرى. الاتحاد الأوروبي، في قانون حرية الإعلام الأوروبي، لا يكتفي بتنظيم المؤسسات الإعلاميّة، بل يهتم بمخاطر تركّز ملكية وسائل الإعلام، وبشفافية الملكية والإعلان الحكومي، وبحماية الاستقلال التحريري، وبالعلاقة بين المؤسسات الإعلاميّة والمنصات الكبرى. وهذه مسألة غائبة أو غير مكتملة في التصوّر لقانون الاعلام اللبناني الّذي أقرّ في المجلس النيابي. فماذا يحدث عندما تكون مؤسسة لبنانية مستقلة ملتزمة بالقانون، لكن خوارزمية منصة أجنبيّة تقرر أن محتواها لن يصل إلى الجمهور؟ وأيّ حماية تمنحها الدولة إذا تغيرت قواعد الإعلانات الرقمية فجأة؟ ومن يضمن أن المنافسة الإعلامية لن تتحول إلى سباق نحو شراء الوصول بدل إنتاج الصحافة؟
لهذا ينبغي أن يضيف القانون فصلًا واضحًا عن الاستدامة الاقتصادية والاستقلال التحريري. الشفافية الحقيقية لا تعني معرفة اسم المالك فقط، بل معرفة المالك المستفيد، والمصالح المتقاطعة، ومصادر التمويل الأساسية، والإعلانات السياسية، وأي علاقة ماليّة يمكن أن تؤثّر في الخط التحريري. لكن الشفافيّة يجب ألا تتحول إلى منع غير مبرر للتمويل الأجنبي أو التعاون الدولي، بل إلى إفصاح واضح يسمح للجمهور بمعرفة المصالح التي تقف خلف الوسيلة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في لبنان حيث تتداخل ملكية وسائل الإعلام مع المصالح التجارية والسياسية. فإذا لم يعالج القانون مسألة التركّز الفعلي للملكية، فقد ينجح في تنظيم الترخيص ويفشل في حماية التعددية. والتعددية لا تعني وجود عشرات المواقع، بل وجود مؤسسات قادرة على الاستمرار والاستقلال واتخاذ قرارها التحريري بعيدًا عن هيمنة مالك واحد أو ممول واحد.
ومن هنا، ربما يكون المطلوب في المرحلة المقبلة إعادة ترتيب فلسفة المشروع على ثلاثة مستويات:
1-تضييق التجريم الجزائي وحذف «الأخبار الكاذبة» من المادة 104 بوصفها جريمة عامة مستقلة، مع إبقاء التحريض المباشر الذي يستوفي الاختبار الدولي الصارم.
2-تحويل التضليل إلى قضية مهنية وتنظيمية ومدنية عبر التصحيح والرد والتحقق والشفافية والتثقيف الإعلامي، مع تجريم الأفعال الخطيرة المحددة التي تقوم أركانها بصورة واضحة.
3-تحديث القانون رقميًا بحيث يحمي الصحافة والمؤسسات والأفراد على أساس حياد الوسيلة، ويضع إطارًا لاستقلال الإعلام العمومي وشفافية الملكية والإعلان والمنصات والذكاء الاصطناعي.
وهنا يمكن للبنان أن يستفيد من تجارب مختلفة من دون استنساخها. النموذج الفرنسي، مثلًا، يميّز في قانون الصحافة بين القذف والإهانة والتحريض على التمييز أو الكراهية أو العنف، بدل اختزال هذه المجالات كلها في جريمة عامّة فضفاضة. والنموذج المصري يضع استثناءات محدّدة للعقوبة السالبة للحريّة في النشر، بينما يمنح النموذج المغربي حماية صريحة لحريّة الصحافة ومنع الرقابة المسبقة وسرية المصادر. أما النموذج الأوروبي، فيدفع أبعد باتجاه حماية الاستقلال التحريري والتعددية والاستدامة والشفافيّة. هذه النماذج لا تصلح للنسخ الحرفي في لبنان، لكنها تكشف اتجاهًا مشتركًا كلما تطور القانون، صار أقل تركيزًا على معاقبة الصحافي وأكثر اهتمامًا بحماية بيئة الصحافة.
لهذا السبب تبدو الاعتراضات النقابية والحقوقية على المشروع جديرة بنقاش جدّي، من دون تحويلها إلى معركة بين «الدولة» و«الإعلام». فالمشرّع يحتاج إلى حماية المجتمع من خطاب الكراهية والتضليل والتشهير، والصحافة تحتاج إلى حماية نفسها من نصوص يمكن أن تُستخدم لتعريف هذه الأفعال بطريقة موسعة. والمَخرج ليس بإلغاء المسؤوليّة، بل بجعلها أكثر دقة وأكثر تناسبًا وأكثر قابلية للتوقع.
المفارقة أن لبنان يملك اليوم فرصة نادرة لصناعة قانون إعلام حديث فعلًا. فالمشروع راكم خلال سنوات طويلة خبرات ومناقشات وتعديلات، كما أنّ النقاش لم يعد أسير الماضي؛ هناك اليوم هيئة وطنية لحقوق الإنسان، ونقابات مهنيّة، ومؤسسات حقوقيّة، وخبرات صحافيّة وقانونيّة، وتجارب دوليّة يمكن الإفادة منها. وقد سبق لنقابتي الصحافة والمحررين أن اتفقتا، في تشرين الثاني 2025، على إعداد اقتراح متكامل بديل في ضوء ملاحظاتهما على الرغم من وجود ملاحظات عليها أيضًا، ما يؤكد أن الخلاف لا يدور حول مبدأ تحديث التشريع بقدر ما يدور حول شكل هذا التحديث وضماناته.
ويبقى الاستنتاج الأهم أنّ قانون الإعلام لا يقاس بعدد مواده ولا بحداثة لغته، بل بما يحدث عندما يختلف الصحافي مع سلطة سياسية، أو يكشف فسادًا، أو ينشر تحقيقًا يضر بمصالح نافذة، أو يخطئ في معلومة ويحتاج إلى تصحيحها، أو يحمي مصدرًا يطلب منه القضاء كشفه، أو يواجه منصة رقمية تستطيع خفض وصوله إلى عشرات الآلاف من القرّاء بقرار خوارزمي.
في هذه اللحظات تحديدًا تظهر قيمة القانون.
لذلك، فإن المراجعة المطلوبة ليست «ممحاة» تشطب مادّة هنا وتستبدل عبارة هناك، بل إعادة ضبط للتوازن بين الحرية والمسؤوليّة. المادة 104 هي الجرح الأكثر وضوحًا، لكنها ليست الجرح الوحيد. وإذا عولجت وحدها وبقيت الفجوات المتعلّقة بالهيئة الناظمة، والاستقلال التحريري، والإعلام العمومي، والملكيّة والتمويل، والبيئة الرقميّة، والحقوق النقابيّة، وحظر النشر، والمسؤولية المتعددة الوسائط، فإنّ لبنان سيحصل على قانون جديد بملامح قديمة.
أما إذا أُعيد بناء النص على قاعدة واحدة واضحة، وهي أن الحرية هي الأصل، والقيود استثناء يجب أن يكون ضروريًا ومتناسبًا ومحددًا وقابلًا للطعن القضائي، فعندها يمكن لهذا القانون أن يشكل خطوة حقيقية إلى الأمام.
فالإعلام الحرّ لا يعني إعلامًا بلا مسؤولية، كما أنّ الإعلام المسؤول لا يعني إعلامًا خائفًا. والمسافة بين الاثنين هي بالضبط المساحة التي يفترض أن يملأها القانون.






















































