زار رئيس أساقفة كولونيا في ألمانيا الكاردينال راينر ماريا فولكي، أبرشيّة صور للروم الملكيين الكاثوليك، يرافقه نديم أمّان رئيس قسم الكنيسة العالميّة والحوار في أبرشيّة كولونيا، والمكلّف بمتابعة علاقات الأبرشيّة وشراكاتها مع الكنائس في العالم، وذلك للاطلاع عن قرب على واقع أبناء الجنوب بعد الحرب، وعلى تحدّيات العودة والصمود والحفاظ على الحضور المسيحي في أرضه".
وكان في استقبال الكاردينال فولكي رئيس أساقفة صور للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر، النائب ملحم خلف، راعي أبرشيّة صور المارونيّة المطران شربل عبد الله، السكرتير الأول في السفارة البابويّة في لبنان المونسنيور ياكوب توماشيفسكي، مدير البعثة البابويّة في لبنان ميشال قسطنطين والعاملون معه، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، المديرة التنفيذيّة لكاريتاس لبنان الدكتورة لينا بيطار، الأمين العام لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان الأب جان يونس، رئيس لجنة بروتوكول بلدية صور وليد الطويل إلى جانب كهنة وأبناء من مختلف رعايا أبرشيّة صور، واقامت كشافة مار توما الرسول – صور حفل استقبال عزفت خلاله موسيقى الترحيب عند مدخل كاتدرائيّة القديس توما الرسول في صور، التي ازدانت بالأعلام اللبنانيّة والبابويّة، وقدّمت إليه أغصان الزيتون رمزًا للسلام والرجاء الذي يحمله أبناء الجنوب على الرغم من جراحهم.
ورحب إسكندر بضيفه باسم أبناء الأبرشيّة وصور ، واكد أن "وصوله شخصيًّا إلى صور، بعد كل ما اجتازه أهل الجنوب، يحمل إليهم قبل أي كلام رسالةً واضحةً بأنهم ليسوا منسيّين"، داعيًا إياه إلى "ألّا يرى في الجنوب الدمار والصعوبات وحدها، بل أن يلتقي شعبًا ما زال، وسط الجراح، متمسّكًا بإيمانه وأرضه وبحق أولاده في أن يكون لهم مستقبل فيها".
بعدها انتقل الحضور الى كاتدرائية القديس توما الرسول في صور حيث أقيم قداس احتفالي بعنوان الصلاة "من أجل لبنان وجنوبه ومن أجل الذين فقدوا حياتهم والجرحى والمهجّرين والعائدين إلى قراهم، وكذلك الذين لم يتمكّنوا بعد من العودة"، وشملت الصلاة جميع أبناء الجنوب، مسيحيين ومسلمين، كي يبقوا متجذّرين في أرضهم، صانعي سلام وحماةً لكرامة بعضهم بعضًا.
بعد القداس ، قدّم إسكندر للكاردينال فولكي خريطةً مفصّلةً للأبرشيّة وانتشار جماعاتها ورعاياها في قضائي صور وبنت جبيل، شارحًا واقع البلدات المتضرّرة وتلك القريبة من الحدود.
وأكد على أن "بقاء الكنيسة في الجنوب ليس موقفًا سياسيًّا، بل رسالةً رعويّةً، لأن الكنائس والمقابر والذكريات والعائلات موجودة على هذه الأرض، ولأن الحضور المسيحي فيها لم يكن يومًا انعزالًا عن الآخر، بل حضور لقاء وعيش مشترك مع المسلمين.
كذلك حضر الكاردينال عرضا لفيلم وثائقي نقل مراحل النزوح والدمار ثم العودة واستئناف الحياة، وتضمّن شهادات حيّة لأبناء الأبرشيّة.
وبعد العرض، قدّم المتروبوليت إسكندر أصحاب الشهادات الموجودين بين الحاضرين، مشدّدًا على أنهم "ليسوا ممثلين ولا حكايات جُمعت من بعيد، بل أشخاص عاشوا ما شاهدوه، وأن وراء كل بيت متضرّر وقرية فارغة وكنيسة مقفلة إنسانًا يسأل سؤالًا واحدًا: هل ما زال بإمكاني أن أبني مستقبلي هنا؟".
ثم تحدّث إسكندر عن "تجربة الأبرشيّة خلال الحرب، وعن اختياره البقاء في صور إلى جانب الكهنة والناس الذين ظلّوا فيها، مؤكدًا أن الراعي يبقى حيث يكون شعبه. واستعاد كيف فتحت الكنيسة أبوابها أمام العائلات النازحة وقدّمت، بما توافر لديها، الغذاء والدواء والمساعدات الأساسيّة، من دون أن تسأل مَن يطرق بابها إن كان مسيحيًّا أم مسلمًا، لأن الألم لا طائفة له، والمحبة المسيحيّة كذلك لا ينبغي أن تكون لها طائفة".
وأشار الى أن "التحدّي الأكبر اليوم لم يعد فقط إعادة الناس إلى قراهم، بل تمكينهم من البقاء فيها. ففتح الطريق يعيد العائلة إلى بيتها، لكنه لا يكفي ليجعلها تستقرّ، إذ تحتاج إلى منزل ومدرسة لأولادها وفرصة عمل ورعاية صحيّة وجماعة حيّة تحيط بها". وقال:"مسؤوليّتي كأسقف ليست أن أقول للناس: يجب أن تبقوا. مسؤوليّتي أن أساعد في جعل بقائهم ممكنًا؛ فالناس لا يبقون بسبب الخطب، بل يبقون عندما يكون لأولادهم مستقبل".
وطرح أمام الكاردينال فولكي "إمكانيّة الانتقال بالعلاقة بين كنيستي صور وكولونيا من منطق المساعدة الآنيّة إلى منطق الشراكة المستدامة، مختصرًا الفكرة بعبارة: ما نحتاج إليه ليس مجرّد مانح، بل شريك"، كما اقترح خطوةً عمليّةً أولى تقضي "بتعيين شخص من أبرشيّة كولونيا وآخر من أبرشيّة صور لمواصلة التواصل بعد الزيارة، ودراسة الأولويّات الثلاث التي أعدّتها الأبرشيّة، وصولًا إلى اختيار مشروع واحد يمكن للكنيستين العمل عليه معًا". وأوضح أن "المطلوب يومها لم يكن التزامًا ماليًّا، بل ما يسبق المال ويعطيه معناه: بدء مسيرة مشتركة بين صور وكولونيا".
ثم سلّم إسكندر الكاردينال ملفًّا باللغة الألمانيّة يتضمّن خريطة الأبرشيّة وآثار الحرب وواقع الأهالي والعودة والأولويّات المقترحة، على أن تُعدّ التفاصيل الفنيّة والماليّة للمشروع الذي يقع عليه الاختيار في مرحلة لاحقة.
وقال "أراد أن يحملها ضيف صور معه إلى كولونيا بكلماتٍ بدت وكأنها تختصر حكاية كنيسة الجنوب كلّها:لا تتذكّرونا فقط ككنيسةٍ تألّمت. تذكّرونا ككنيسةٍ اختارت أن تبقى"، وقال:"اليوم أتيتم إلى صور زائرًا، آمل أن تعودوا إليها في المرّة المقبلة صديقًا".
وفي ختام اللقاء، قدّم إسكندر إلى الكاردينال فولكي هديّةً تذكاريّةً من صور، تجمع عددًا من رموز تراثها الفينيقي ولبنان.





















































