أشار وزير الإعلام ​بول مرقص​، خلال لقاء حواري نظّمته معه مؤسّسة "ثقافة وحرّيّات"، بعنوان "قانون الإعلام الجديد"، بمشاركة الوزيرَين السّابقَين ​إبراهيم نجار​ و​زياد بارود​ وعدد من الشّخصيّات الدّبلوماسيّة والأكاديميّة والعسكريّة والثّقافيّة والإعلاميّة، إلى أنّ "هذا اللّقاء يمثّل فرصةً جوهريّةً لمناقشة التطوّرات الكبيرة الّتي طرأت على المشهد الإعلامي اللّبناني، عقب صدور قانون الإعلام الجديد، الّذي انتظرناه طويلًا لأكثر من 16 عاماً في أروقة اللّجان النّيابيّة".

وأوضح "أنّه منذ تولّيه مهامه كقانوني في الوزارة، وضع نصب عينيه خطةً شاملةً لإعادة الرّوح إلى مؤسّسات الدّولة الإعلاميّة، بدءًا من "تلفزيون ​لبنان​" الّذي يشهد اليوم ورشةً تحديثيّةً ملموسة، وصولًا إلى تنظيم ​الأرشيف الوطني​ والعربي الّذي نَعتبره كنزًا لا يقدَّر بثمن، فضلًا عن تطوير الوكالة الوطنية للإعلام وإذاعة لبنان".

وفي ما يخصّ "​تلفزيون لبنان​"، لفت مرقص إلى أنّ "المؤسّسة استعادت حيويّتها بفضل طاقات اللّبنانيّين في الخارج، بما يلبّي تطلّعات اللّبنانيّين المقيمين والمنتشرين، الّذين ينشدون الموضوعيّة والأصالة"، كاشفًا عن "إنجاز ضخم في ملف الأرشيف الوطني، الّذي أصبح اليوم مرقّمًا ومحفوظًا وفق المعايير الدّوليّة، وتمّ ترشيحه لـ"ذاكرة العالم" في ​اليونسكو​".

وذكر أنّ "مبنى الحازمية واستديوهاته استعادت بريقها المعهود، بعد تجديدها بالكامل. وبالتوازي، أطلقت "الوكالة الوطنيّة للإعلام" بحلّة جديدة تضمن سهولة الوصول إلى المعلومات، معتمدًا في ذلك على مساهمات وهبات من القطاع الخاص، ولم يتمّ تكبيد خزينة الدّولة أعباء إضافيّة".

كما ركّز على أنّ "قانون الإعلام الجديد خضع لنقاشات مستفيضة في اللّجان النّيابيّة، بمواكبة من اليونسكو ومنظّمات دوليّة ومحليّة مثل "مهارات". وقد حظي القانون الحالي ببيانات ترحيب دولي واسع من اليونسكو و​الاتحاد الأوروبي​ و​الأمم المتحدة​ وسفارات كبرى ومنظّمات دوليّة ومحليّة معنيّة، كونه يشكّل ركيزةً لتحسين تصنيف لبنان العالمي في حرّيّة الصحافة، الّذي تقدّم بالفعل من المرتبة 142 ليسبق 25 دولة أخرى في هذا العهد الرّئاسي".

وشدّد مرقص على أنّ "أهميّة القانون تكمن في تحديده لأوّل مرّة مفهوم "الإعلامي"، وإنشاء هيئة وطنيّة مستقلّة متعدّدة التمثيل النّقابي والإعلامي والأكاديمي. كما يتضمّن القانون نصوصًا رائدةً لمكافحة خطاب الكراهيّة، وتنظيم المواقع الإلكترونيّة، وإلغاء محكمة المطبوعات، ممّا يشكّل نقلةً إصلاحيّة".

واعتبر أنّ "إقرار قانون الإعلام الجديد يمثّل محطةً تاريخيّةً، ومنعطفًا جذريًّا في مسار تنظيم القطاع، فهو ليس مجرّد نصّ تشريعي، بل هو نقلة نوعيّة من شأنها تغيير المشهد الإعلامي في لبنان، مع انفتاحه على كلّ تطوير سيظلّ يسعى إليه".

وأضاف: "هذا القانون الّذي يضمّ أكثر من مئة مادّة، ينحو باتجاه التحرّر، حيث استُبدل نظام "الترخيص المسبَق" بنظام "العِلم والخبر"، وفق معايير مهنيّة واضحة"، مبيّنًا أنّ "هذه المعايير تشمل تحديد هويّة صاحب الموقع والمدير المسؤول، وضرورة وجود محرّرين ذوي خبرة وشهادات، بالإضافة إلى سياسات تحريريّة وموجبات مهنيّة وشفافيّة في التمويل، تشمل الوسائل الإعلاميّة والمنصات كافّة".

وفي ما يخص الهيئة النّاظمة للإعلام، أوضح مرقص أنّها "ستتمتع بصلاحيّات فرض غرامات ماليّة مشدّدة قد تصل إلى مئة ضعف الحدّ الأدنى للأجور، ولها الحق في إحالة المخالفات الّتي تتجاوز صلاحيّاتها إلى القضاء"، مشيرًا إلى أنّ "القانون يلحظ إنشاء غرف قضائيّة مدنيّة متخصصة في كلّ محافظة، للنّظر في المخالفات الإعلاميّة، بدلًا من محكمة المطبوعات الجزائيّة".

أمّا على صعيد هيكليّة ​وزارة الإعلام​، فأكّد أنّ "هناك عملًا جادًّا لدينا لتحويلها إلى "وزارة التواصل"، عبر مشروع قانون مستقل، حيث يركّز المقترَح على إعادة صياغة المهام والصلاحيّات. فالإشكاليّة تكمن في المضمون والوظيفة الّتي يجب أن تضطلع بها لتواكب العصر، لا في التسمية فحسب".

وركّز على أنّ "دور وزير الإعلام يتجاوز مجرّد الظّهور الرّسمي، ليشمل صياغة الاستراتيجيّة الإعلاميّة للحكومة، والقيام بجهود لشرح مقرّرات الحكومة، بالإضافة إلى ضرورة وجود "دفاع إعلامي" يشرح مسار الإصلاحات الحكوميّة للرّأي العام في وجه المتضرّرين منها".

وأفاد مرقص بأنّ "للوزارة دورًا حيويًّا في التعبير عن مقرّرات مجلس الوزراء، وإدارة ملفّات حسّاسة كالأرشيف المشترك وشؤون المراسلين الأجانب، خاصةً خلال الحروب، حيث يتمّ تسهيل مهمّاتهم وتراخيص عملهم بالتنسيق مع الأمن العام ووزارة العمل".

بدوره، تطّرق نجّار إلى تاريخ قانون الإعلام، مستذكرًا حقبة عمله في وزارة العدل بين عامَي 2008 و2010، و"ما شهدته من حملات ضدّ القضاة، ونشر لملفّات التحقيق الحسّاسة، ممّا استدعى المطالبة الملحّة بقانون للإعلام، وهو ما قام بإحالته آنذاك إلى مجلس الوزراء ومنه إلى مجلس النّواب".

ولفت إلى "الثّغرات الّتي كانت قائمة سابقًا، مثل التخبّط في أحكام محكمة المطبوعات وتفاوت غراماتها، وغياب ضوابط الجرائم الإلكترونيّة، والتنازع في الصلاحيّات القضائيّة، فضلًا عن الافتقار إلى ميثاق شرف إعلامي أو آداب للتعاطي المهني"، مشدّدًا في الوقت ذاته على أنّ "قضايا حقوق المرأة وحقوق الإنسان لا يمكن تجاوزها أو المرور عليها مرور الكرام".

وأبدى نجّار ارتياحه "لوجود وزير واعٍ لهذه الملفّات، ممّا وفّر مرجعًا قانونيًّا يمكن الرّكون إليه حتى مع احتمال الحاجة لإصلاحات طفيفة مستقبلًا".

ورأى أنّ "هذا العهد قد أصاب وأحسن بسعيه الجادّ لإصدار حزمة من القوانين الحيويّة دفعةً واحدة"، واصفًا إيّاها بـ"رشقات من القوانين الّتي شملت الإصلاح المصرفي، وإلغاء عقوبة الإعدام، وقانون العفو، وقانون الإعلام". واعتبر أنّ "هذا الإنجاز يمثّل إثباتًا واضحًا على توجّه العهد نحو المسار الصحيح"، مؤكّدًا "الحاجة لرجال ونساء يمتلكون الشّجاعة والموثوقيّة لمواصلة هذا المسار الإصلاحي".

من جهته، أشار بارود إلى أنّ "قراءةً قانونيّةً وإعلاميّةً معمّقةً برزت حول القانون الجديد الّذي بات اليوم أمرًا واقعًا"، مبيّنًا أنّ "أهميّة هذا القانون تكمن في كونه قد أصبح نصًا متكاملًا وقائمًا، على عكس مشاريع أخرى، كقانون اللامركزيّة الموعود منذ عام 1989".

وذكر أنّ "هذا المشروع الّذي انطلق منذ عام 2014، قد وصل أخيرًا إلى خواتيمه بعد نقاشات طويلة واكبت مسيرته، حتى جفاف حبر توقيع رئيس الجمهوريّة عليه".

وأوضح بارود أنّ "الهدف من هذا اللّقاء ليس مجرّد استعراض النص، بل المناقشة بروحيّة تهدف إلى الإصلاح والانتقال نحو واقع أفضل، بعيدًا عن الرّؤى الّتي تعيش في الماضي". وركّز على أنّ "قانون الإعلام، وإن كان قائمًا، إلّا أنّه يظلّ قابلًا للتعديل والتطوير تحت قبّة البرلمان إذا دعت الضرورة، بما يواكب تطلّعات المستقبل، ويخدم حرّيّات التعبير في مساحة حواريّة يسودها التعلّم المتبادل وإسقاط الأفكار المسبقة".