منذ 24 شباط 2022، تُحاول روسيا إلحاق الهزيمة بأوكرانيا، وتبديل موازين القوى على حدودها الغربية مع كامل دول الاتحاد الأوروبي. لكنّ الأمور لا تسير كما هو مُخطَّط له، بفعل المقاومة الأوكرانية الشرسة. فهل تتجه هذه الحرب الدموية إلى التهدئة أم إلى مزيد من التصعيد في المستقبل القريب؟
بداية، لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ روسيا تُسيطر حاليًا على نحو 114,000 إلى 116,000 كيلومتر مربّع من الأراضي الأوكرانية، وهو ما يُمثّل نحو 20% تقريبًا من إجمالي مساحة أوكرانيا البالغة بدورها نحو 603,628 كيلومترًا مربعًا. وفي التفاصيل، يُسيطر الجيش الروسي بشكل كامل بنسبة مئة في المئة على جزيرة القرم، وعلى مقاطعة لوغانسك، باستثناء جيوب مقاومة محدودة جدًا. كما يُسيطر على أكثر من ثلثي مقاطعة دونيتسك، ومقاطعتي زابوريجيا وخيرسون. لكن هذا التقدّم الميداني الواضح للجيش الروسي، والذي تحقّق على مدى نحو أربع سنوات من المعارك الشرسة، جاء بكلفة باهظة، حيث تُجمع الكثير من الإحصاءات الغربية على أن حجم خسائر الجيش الروسي بلغ حتى تاريخه أكثر من أربعمئة ألف قتيل، إضافة إلى نحو مليون جريح، ناهيك عن آلاف المفقودين! في المقابل، يقلّ عدد قتلى الجيش الأوكراني عن مئة وخمسين ألفًا، إضافة إلى نحو نصف مليون جريح، مع التذكير أنّ القوات الأوكرانية كانت في أغلبية المواجهات بوضعيّة دفاعية مُحصّنة، بعكس القوات الروسية التي كانت بوضعيّة هجوميّة مكشوفة.
وفي المرحلة الأخيرة، وفي ضوء تعثّر مبادرات التهدئة الواحدة تلو الأخرى، صعّدت كل من موسكو وكييف هجماتهما التدميرية المتبادلة، بالصواريخ الباليستية وبالمُسيّرات، مع الاستهداف المتعمّد للبنى التحتية ومنشآت الطاقة والمراكز الحيويّة والمرافئ والمستودعات المهمّة، إلخ. وباتت هذه الهجمات جزءًا من يوميّات المدنيين العُزّل من الشعبين الروسي والأوكراني، في ظلّ استشراس روسيا وأوكرانيا في مُحاولة إلحاق أكبر قدر ممكن من الأضرار بخصمه، من دون أن يكون لعمليات القصف المذكورة وقع يُعتدّ به على جبهات القتال العسكرية. وكلّ المؤشرات على الأرض تؤكد أنّ الصراع يعيش حاليًا مرحلة "حرب استنزاف متبادلة"، في ظلّ سُقوط كلّ "الخطوط الحمراء"، والوقائع الميدانية تُرجّح استمرار المعارك العنيفة وتصاعدها على المدى المنظور، وسط غياب أي مؤشرات حقيقية وجادةبشأن احتمال تحقيق تسوية سلمية قريبًا. وتوجد مؤشرات عدّة تدلّ على أنّ الجيش الروسي يستكمل التحضيرات لشنّ هجمات برّية واسعة جديدة، وفي هذا السياق يمكن تعداد ما يلي:
أوّلًا: تضغط القيادة السياسية الروسية لاحتلال كامل مقاطعة دونيتسك قبل نهاية عام 2026، بينما يطلب الجيش الروسي مهلة تمتد حتى آذار 2027، لكونه يلقى مقاومة ضارية في ما يُعرف باسم "حزام الحصون" (Fortress Belt)، وهي المدن الاستراتيجية الأربع المتبقية تحت سيطرة كييف في دونيتسك.
ثانيًا: تستهدف حملات القصف الجوي الروسي العنيفة والمتواصلة بالمسيرات والصواريخ البعيدة المدى، تدميرشبكة الطاقة ومحطات التوليد الكهربائي الأوكرانية، وشلّ بنية النقل التحتية والمستودعات اللوجستية، وضرب منشآت تصنيع وتخزين الطائرات المسيرة ومستودعات الذخيرة، وذلك بغرض حرمان الجيش الأوكراني من الإمدادات قبل بدء الهجمات البرية الموسّعة المُخطّط لها.
ثالثًا: رصدت أجهزة استخبارات غربيّة عدّة قيام القوات الروسية بنقل كميات ضخمة من المعدات الهندسية والآليات الثقيلة من مدينة ماريوبول المحتلة باتجاه محور غوليايبولي- بولوهي في مقاطعة زابوريجيا، بالتزامن مع بناء تحصينات خرسانية مكثفة وتحشيد وحدات عسكرية على هذا الخط. وبحسب التقديرات، إنّ هذه التحرّكات تُمهّدلهجوم بري وشيك في جنوب البلاد خلال الفترة المقبلة.
رابعًا: تُحقّق الاستخبارات الأوكرانية في معلومات سرّية مُسرّبة كشفت عن تعليمات من القيادة السياسية في موسكو لكيار المسؤولين العسكريين بإعداد خطط وسيناريوهات لشن هجوم برّي في اتجاه مقاطعة تشرنيهيف الشمالية، وكذلك في اتجاه العاصمة الأوكرانية كييف، باعتبار أنّ من شأن تحقيق أي خرق على هذه الجبهة أن يؤمّن نصرًا معنويًا كبيرًا للجيش الروسي. لكن حتى الساعة، لم يُرصد أي تشكيلات عسكرية هجومية مهمّة ومباشرة على حدود المناطق الشمالية.
خامسًا: أكّدت مصادر إعلامية من داخل روسيا أنّ الكرملين يدرس إطلاق موجة تعبئة وتجنيد واسعة النطاق، بهدف تعويض الاستنزاف البشري الكبير وتأمين القوةالبشريّة الضرورية لشنّ أي هجمات برية جديدة على نطاق واسع. والهدف تحشيد ما لا يقلّ عن ستمئة ألف جندي إضافي بحلول نهاية عام 2027.
سادسًا: بموازاة قيام بعثات عسكرية أوروبية بتدريب نحو مئة ألف عنصر أوكراني حتى تاريخه، وافق الاتحاد الأوروبي على إطار قروض بقيمة 90 مليار "يورو" لدعم الاحتياجات الدفاعية الأوكرانية لعامي 2026 و2027، مع التذكير أنّ دول الاتحاد الأوروبي قدّمت حتى اليوم مساعدات عسكرية لصالح أوكرانيا، تجاوزت قيمتها 77 مليار يورو.
في الخلاصة، بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، لم تنجح روسيا في تحقيق الحسم الذي أرادته، في حين لم تتمكّن أوكرانيا من استعادة أراضيها المحتلة، لتتحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة تحصد آلاف الضحاياوتُدمَّر البنى التحتية. ومع التحشيد الروسي، وتكثيف الضربات الجوية، والاستعداد المحتمل لهجمات برية واسعة، تبدو الفترة المقبلة أشد خطورةً من سابقاتها. فهل تستعد موسكو لجولة عسكرية كبرى قد تعيد رسم خريطة الحرب؟ وهل تملك كييف ما يكفي من القدرات العسكرية لصدّها؟ والأهم، هل نحن أمام مرحلة أخيرة من الهجماتتسبق التفاوض الفعلي والحاسم، أم أمام حرب طويلة قد تُورّط أوروبا بأكملها في المستنقع الروسي، وربما قد تُغيّر في خريطة الكثير من الدول الأوروبية أيضًا؟!