تِلكَ الكِسِروانُ-لبنانُ ألْحَوَّلوها مَرتَعَ لَهوٍ فارِغٍ وَدَعارَةٍ، لَيسَت كَذَلِكَ.
تِلكَ الكِسِروانُ-لبنانُ ألْإصطَبَغوها بِالبَشاعَةِ الهَندَسِيَّةِ، لَيسَت كَذَلِكَ.
هيَ الباكورَةُ. لِلأُلوهَةِ كانَت، وَما كانَت فيها إلَّا البَرَكاتُ. ذَبيحَةٌ إنتَقَلَت مِنَ المائِدَةِ المُقَدَّسَةِ الى الجَماعَةِ، دَهراً فَدَهراً فَدُهوراً، لِلحَيِّ أبَدَ الدُهورِ. مِنَ العِشقِ الإلَهيِّ وَإلَيهِ مَآلُها بِالإكرامِ والقُدرَةِ، بِمَواكِبَ البِرِّ في كُلِّ جيلٍ رَصَّعوها بِالمَذابِحَ تَعلو قِمَمَها-القِمَمِ.
هيَ الأسطَعُ بِالقَداسَةِ مُذ عَلَت بِها فَوقَ البَحرِ قِمَّةُ غوسطا: في الجَذرِ السِريانيِّ Gousto وَمِعناها المَلاذُ أوِ الحِمى، وَفي الجَذرِ الآراميِّQushta أيّ الحَقُّ والقِسطاسُ، وَفي اللاتينِيَّةِ Augusta الكِبَرُ والعَظَمَةُ والفِخارُ، عَلى حَدِّ تَعريفِ إرنِست رينانَ (نِسبَةً الى أُغُسطُسَ قَيصَرَ الَذي إتَّخَذَت إبنَتُهُ مِن هَيكَلِها-القَلعَةِ مَقَرَّها الشَتَوِيَّ). حاضِنَةُ أُمَّهاتِ المَدارِسَ، سوربونُ المَشارِقَ، عَينُ وَرقَةِ. المُرتَفِعَةُ مِن عُمقِ الوِديانِ الى ذُروَةِ السَماءِ، وَقَدِ إعتَرَفَتِ بِالإيمانِ إعتِرافَ ذُرى الحُبِّ لِفَيضِ إفتِقادٍ... بِالحَقِّ مُؤَسِّسِ الجَمالاتِ العُليا في بؤسِ التَواريخِ، في حُدودِ المَنظورِ، في الفِعلِ الحَضارِيِّ.
هيَ تَعزِيَةُ التَحقيقِ، مَهما وَمَتى أتى السارِقُ وَفي أيِّ ساعَةٍ لا تَتَوَقَّعها، إذ كانَت وَتَبقى بَوحَ البَوحِ.
أحَضرَةٌ فاعِلَةٌ مُنَقِّيَةٌ، مَدارِكُها في الظَفَرِ المُطَهِّرِ الأرضَ، فَلا تُتعِبُها مَصلوبِيَّتُها وَلا تَرزَحُ تَحتَها لِأنَّها القيامِيَّةُ في كُلِّ فَجرٍ آتٍ؟ أمِن يَنابيعِها، إنْ نَهَلنا مِنها كِفايَةُ الأبَدِ المُعلَنِ فيها؟ أخَليقَةٌ بِتَفَجُّرِ ضِياءِ الذُهولِ مِن كُلِّ جِراحٍ؟
كِسِروانُ-لبنانُ، مُلازِمَةُ لبنانَ.
لبنانُ-الكِسِروانُ... مُلازَمَةُ حُبٍّ، لِأنَّ الصَليبَ كانَ وَيَبقى وَحدَهُ مِن جِراحِهِ شِفاءُ العالَمِ. العالَمُ وَشَهوَتُهُ، وَظَلامِيَّتُهُ، وَسارِقوهُ، كُلُّهُ يَمضي... وَلبنانُ يَبقى. لِأنَّهُ في الفَيضِ هوَ كُلُّ الفَيضِ... في مُساءَلَةِ الحُبِّ، فَوقَ إنسِكابِ الدَمِّ المِهراقِ خَلاصَاً.
في آوانِ الرِضاءِ، مِتَّى حَلَّ، لبنانُ-الكِسِروانُ، الكَأسُ والعُيونُ الشاخِصَةُ إلَيها. المَذبَحُ والذَبيحَةُ. وَلِعِزَّةِ التَنَزُّهِ، الخَميرَةُ الصَغيرَةُ المُخَمِّرَةُ العَجنَةَ كُلَّها. وَبِسَبَبٍ مِن رَهافَةِ روحِ عُلاها، مَأمَنٌ عَليمٌ. بَيتٌ بِمَنازِلَ كَثيرَةٍ.
دَفقُ الكَثرَةِ
هيَ القِمَمُ إنبِساطُ الشَهادَةِ، بِطولِ أناةِ الإرتِقاءِ إلَيها.
هيَ دَفقُ الكَثرَةِ القائِمِ في النَفَحاتِ أصالَةِ الزَمَنِيَّاتِ، لِصَفاءِ إستِشرافِ المَكانِيَّاتِ.
قُلتُ: الشَهادَةُ؟ ها هيَ مِنَ الكاردينالِ النَمساوِيِّ Franz König (1905-2004)، أحَدُ أبرَزِ آباءِ المَجمَعِ الفاتيكانِيِّ الثانَيَ، (مَن كاردينالِيَّتُهُ تُعتَبَرُ مِنَ الأَطوَلِ زَمَنِيَّاً في الكَنيسَةِ، مِن 15 كانونِ الأَوَّلِ 1958 حَتَّى وَفاتِهِ. وَمَن دُعِيَ "ضَميرَ النَمسا"، وَلَهُ الحُضورُ البارِزُ في إنتِخابِ القِدِّيسِ البابا يوحَنَّا-بولُسَ الثانِيَ). هوَ، في عِظَتِهِ الوِداعِيَّةِ عِندَ مُغادَرَةِ لبنانَ، الَذي زارَهُ في سِبعينِيَّاتِ القَرنِ العِشرينَ، صَرَخَ: "أنتُمُ في وَسَطِ كِسِروانَ، بِالتَحديدِ في دائِرَةٍ مَركَزُها غوسطا وَقُطرُها لا يَتَعَدَّى الكيلومِتراتَ الثَلاثَةَ، تَعيشونَ المَسيحِيَّةَ المَسكونِيَّةَ بِأبهى صُوَرِها وأقدَسِ مَظاهِرِها. فَلَم تَزدَحِم مِنطَقَةٌ في لبنانَ والعالَمِ، مِثلَما إزدَحَمَت هَذِهِ المِنطَقَةُ بِأديارَ مَسيحِيَّةٍ لِكَنائِسَ وَحَضاراتٍ، هيَ الأساسُ في نُشوءِ الكَنيسَةِ المَسكونِيَّةِ المَشرِقِيَّةِ والغَربِيَّةِ. فَلَيسَ مِن بابِ الصُدفَةِ أن يَجمَعَ التاريخَ في بُقعَةٍ واحِدَةٍ هَذا القَدْرَ مِنَ الأديارِ والمَراكِزَ الدينِيَّةِ المُرتَبِطَةِ بِإيمانٍ واحِدٍ، رُغمَ إختِلافِ الخَلفِيَّاتِ التاريخِيَّةِ والخَصائِصَ الحَضارِيَّةِ. (...).
فِبِإستِطاعَةِ إبنُ غوسطا، وَوَسَطِ كِسِروانَ، المُفاخَرَةَ أن في يَومٍ واحِدٍ، بِإمكانِهِ أن يَحضُرَ أو يُشارِكَ في مَجموعَةٍ مِنَ القَداديسِ لِحَضاراتٍ مَسيحِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، لَيسَ مِنَ السَهلِ لِسِواهُ مِنَ المؤمِنينَ حُضورَها، حَتَّى في حاضِرَةِ الفاتيكانَ نَفسَها."
هُوَذا لبنانُ-كِسِروانُهُ-الجَبَلُ: أولى المُبتَغَياتُ. أعلى الإنبِعاثُ. المَرحَمَةُ الكُبرى!