لم تكن عابرة المواقف التي أطلقها السفير الأميركي في بيروت، خلال زيارته المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، تحديداً لكيفية مقاربته العلاقة مع الطائفة الشيعية عبر الإشارة إلى أن المشكلة هي مع قسم من هذه البيئة، أي "​حزب الله​"، لافتًا إلى أن ​واشنطن​ مستعدة للتفاوض معه عن طريق ​الدولة اللبنانية​.

العقدة الرئيسية في هذه المقاربة، بالنسبة إلى "حزب الله" تحديداً، تكمن في أنها تأتي في مرحلة بالغة الخطورة، حيث بات من الواضح أن هناك "معركة سردية" حول الخيارات المستقبلية "الأفضل"، في ظل ​العدوانية الإسرائيلية​ المستمرة، لا يمكن معها تجاهل الوقائع التي فرضتها نتائج ​حرب أيلول 2024​ والحرب الحالية.

انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم سعي الحزب إلى الرفض المطلق للخيارات التي ذهبت إليها السلطة الرسمية في البلاد، على قاعدة أنها لم تؤد إلى النتائج المطلوبة منها، خصوصًا لجهة وقف الاعتداءات وتثبيت وقف إطلاق النار، لكن في المقابل لدى هذه السلطة أيضاً موقف مما يطرحه هو، من حيث التمسك بالخيار العسكري، من منطلق أن المعادلات، ليس فقط في لبنان بل على مستوى المنطقة، تبدلت بشكل كبير.

في هذا السياق، من الضروري تفكيك المشهد بعمق لفهم ما تعنيه "​معركة السردية​"، الأمر الذي يجب أن يبدأ من خسارة الحزب ​المعادلات الردعية​ التي كانت قائمة في الفترة الممتدة من تموز 2006 حتى أيلول 2024، وهو ما يمكن التأكيد عليه بالعودة إلى مبررات الانخراط في المعركة مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حيث كان الرهان على أن ذلك قد يقود إلى معادلة أفضل.

بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن و​طهران​، عمد الحزب إلى تبرير الواقع الذي نتج بعد ذلك، تحديداً على المستوى العسكري، عبر تحميل السلطة المسؤولية، لكن في مواجهة السردية التي يقدمها كان خصومه يتمسكون بمسألتين: الأولى أنه لو كان لديه القدرة على قلب الطاولة ما كان لينتظر موقفها، أما الثانية فهي أن طهران لم تفرض معادلة شاملة لوقف إطلاق النار في كل لبنان، على عكس ما هو الحال بالنسبة إلى الضاحية الجنوبية.

لاحقاً جاءت علامات الاستفهام التي رُسمت بعد التحول الخاص بتلال علي الطاهر، التي يتعامل معها الحزب عبر سياسة الصمت، التي تدفع إلى طرح الكثير من الأسئلة الصعبة، خصوصًا أنها فتحت الباب أمام توسيع دائرة التهديد الإسرائيلي نحو مناطق أخرى، بعد أن جرى الترويج على نطاق واسع بأن طهران لن تسمح بأي سيطرة على هذه التلال من قِبَل ​تل أبيب​، لكن الأهم هو أن الحزب لا يبادر إلى الرد على كل الاعتداءات، على الرغم من أنه سبق أن أعلن أنه لا يقبل العودة إلى ما قبل 2 آذار.

هنا، من الطبيعي أن يستكمل المشهد بما حصل، أول من أمس، في ​النبطية​، من خلال التركيز على طرح انتشار الجيش في المدينة، من مبدأ أن ذلك يمنع الجانب الإسرائيلي من الاستمرار في التصعيد، حيث وضع الأمر في سياق الجهود التي تقوم بها السلطة بالتعاون مع الولايات المتحدة، مع العلم أن قيادة المؤسسة العسكرية أوضحت أن الوحدات منتشرة في الأصل في جميع المناطق التي لا وجود فيها للاحتلال، وما يحصل هو تكثيف للمهام في عدد من المناطق بهدف طمأنة الأهالي.

عند هذه النقطة من الممكن الحديث عن مستوى آخر من معركة السردية، قد تظهر معالمه بشكل أكبر في المرحلة المقبلة، من منطلق المعادلة التي انتشرت على نطاق واسع بناءً على ما حصل في النبطية، وتفترض أن تسليم الحزب بمعادلة انتشار الجيش في المناطق المهددة من الإسرائيلي هو الحل لمنع عدوانه، الذي يشمل تدمير القرى والبلدات وتهجير السكان، وهو ما قد يتوسع فيه نحو مناطق أخرى من أجل تكريس ذلك، بالشكل الذي تبقى فيه تل أبيب هي التي تقيم الواقع الجديد.

ماذا يعني ذلك بشكل مباشر؟ يعني الانتقال من نموذج مناطق تجريبية من المفترض أن تنسحب منها إسرائيل لينتشر الجيش فيها، بحسب ​اتفاق الإطار​، إلى نموذج آخر يقوم على انتشار الجيش في مناطق تعتبر تل أبيب أن "حزب الله" يعمل انطلاقاً منها، كأمر واقع، لكسر السردية التي طالما أكدت أن الجنوبي يستطيع أن يبني منازله ومصالحه على الحدود مطمئناً إلى معادلات الرد التي لدى الحزب، وتكريس تلك التي تعتبر أن خروجه من تلك المناطق هو الذي يسمح له بالبقاء في تلك التي لا تزال محررة كالنبطية.