في الجنوب، يقدّم الجيش اللبناني حصيلة عمل ميداني موثّقة بالأرقام، متهمًا إسرائيل صراحةً بتعطيل مهمته واستهداف صدقيته، ومواجهًا عائقًا لا يملك وحده إزالته. هذه هي المعادلة التي يطرحها بيانه المطوّل، الصادر على وقع الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب، إذ يربط بين الإجراءات التي نفّذها منذ توقيع اتفاق الإطار وبين الاعتداءات التي تحول دون استكمال انتشاره.
أهمية البيان أنه يصدر عن المؤسسة التي تراهن عليها الدولة لتنفيذ التزاماتها واستعادة سلطتها. فالجيش يؤكد أنه تحرك وضبط وصادر وفتح طرقات، فيما استمرت الاعتداءات ودفعت سكانًا إلى النزوح مجددًا. أمام هذه المعادلة، يصبح اختزال النقاش في مدى جهوزيته أو حجم انتشاره تجاوزًا للمشكلة الأساسية: ما الذي يضمن أن تقود الإجراءات اللبنانية إلى استقرار فعلي، وأن يلمس الأهالي أثرها في حياتهم؟
لهذا، تتجاوز دلالات البيان حدود التوضيح العسكري أو الرد على سجال داخلي، لتطال مصير المسار الذي اختارته الدولة، وقدرة الترتيبات القائمة على إنتاج نتائج يشعر بها السكان. فكيف يمكن مطالبة الجيش بإثبات قدرته على حماية الجنوب، فيما تستمر إسرائيل في تقويض الشروط التي تتيح له النجاح؟ وأين تنتهي مسؤولية المؤسسة العسكرية، لتبدأ مسؤولية السلطة السياسية والجهات الراعية للاتفاق؟
من النيّات إلى الأفعال
في زوطر الغربية وفرون وصريفا، أحصى الجيش ستة حواجز وثلاث عشرة نقطة مراقبة، ومصادرة نحو 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر، وفتح قرابة 12 كيلومترًا من الطرقات. وأكد تحقيق السيطرة العملياتية وضبط الحركة ضمن منطقة عمله، مع تعاون الأهالي في التفتيش.
تكمن القيمة السياسية لهذه الحصيلة في أنها تنقل النقاش من النيات إلى الأفعال. فالمؤسسة العسكرية تعرض ما نفذته، وتتيح مساءلتها عن إجراءات محددة. من هنا، يفقد خطاب التشكيك العام بجهوزيتها جزءًا من حجته، ما لم يقترن بتحديد أوجه التقصير. يصبح السؤال الأكثر جدية: ماذا أنتج تنفيذ هذه الإجراءات، وما الذي حال دون ترجمتها إلى استقرار أوسع؟
في المقابل، تبقى هذه النتائج محكومة بنطاقها الجغرافي والعملياتي، ولا تعني اكتمال سلطة الدولة على الجنوب أو حسم ملف السلاح. أهميتها أنها تقدم تجربة يمكن اختبارها وتوسيعها. إعلان نجاح شامل يحمّلها أكثر مما تحتمل، فيما افتراض فشل مسبق يحجب ما تحقق. بين الموقفين، تقع مسؤولية تحديد الخطوة التالية والالتزامات المقابلة التي تجعل الانتقال إليها ممكنًا.
ترتيبات لم تكتمل
يكشف البيان أن الاتفاق الكامل على مراحل المناطق النموذجية والخطوات التالية لم يُنجز بعد. كما يسجل نحو 7700 خرق إسرائيلي منذ توقيع اتفاق الإطار في 26 حزيران، وإطلاق نار قرب العسكريين ودورياتهم.
تفتح هذه المعطيات سؤالًا عن منطق التنفيذ نفسه. فالتدرّج يفترض أن تقود كل خطوة إلى نتيجة تتيح الانتقال إلى ما بعدها. أما تنفيذ إجراءات من دون حسم ما يقابلها، فيترك الجيش داخل مسار يمكن مطالبته فيه بالمزيد، من دون ضمان أن يغيّر ذلك سلوك إسرائيل. عندها تتحول المرحلة التجريبية إلى وضع معلّق، بدل أن تكون مدخلًا لتوسيع الاستقرار.
هنا تبرز مسؤولية السلطة السياسية والجهات الراعية للاتفاق في تحديد الالتزامات، وآلية التحقق منها، وكيفية التعامل مع الإخلال بها. فالجيش ينفذ مهمة ميدانية، ولا يملك منفردًا استكمال التفاهمات أو إلزام إسرائيل باحترامها. تجاهل هذا الفارق يحوّل كل تعثر سياسي إلى اتهام عسكري، ويتيح إبقاء المؤسسة تحت اختبار مفتوح، فيما تبقى مسؤولية الطرف الآخر خارج المحاسبة الفعلية.
العودة لا تكتمل بالانتشار
في زوطر الغربية، أفاد الجيش باستقرار ستين عائلة من أصل 450، وتدمير 85 في المئة من المنازل كليًا. كذلك أشار إلى نزوح جديد بفعل الاعتداءات من مناطق كانت تُعد آمنة.
تكشف هذه الصورة حدود الاكتفاء بالمؤشرات العسكرية لقياس نجاح الترتيبات. فالطريق المفتوح يتيح الوصول إلى البلدة، وإزالة الذخائر تخفف خطرًا مباشرًا، بينما يحتاج الاستقرار إلى مسكن وخدمات ومصدر رزق. لهذا، قد يتقدم الجيش في تنفيذ مهمته من دون أن تتقدم العودة بالوتيرة نفسها، لأن استعادة الحياة تتطلب إجراءات أوسع من الانتشار وضبط الحركة.
تتوزع المسؤولية هنا بين مستويين متلازمين: وقف الاعتداءات التي تهدد العودة، وتوفير مقوماتها داخل البلدات. لا يعفي التعطيل الإسرائيلي الحكومة من واجبات الإيواء والإصلاح والإعمار، كما لا يصح استخدام بطء العودة دليلًا تلقائيًا على فشل الجيش. المعيار الأدق هو ما أنجزته كل جهة ضمن مسؤوليتها، وما بقي معطلًا، ومن يملك القدرة على إزالة العائق.
صدقية الجيش في دائرة الاستهداف
يتهم البيان إسرائيل بالسعي إلى ضرب صدقية الجيش داخليًا ودوليًا، ويضع وقف الاعتداءات في أساس استكمال انتشاره. إنها مسألة تتصل بعلاقة السكان بالدولة وبجدوى المسار الجاري.
فالناس يقيسون الحماية بما يحدث لهم، لا بما يُعلن من تطمينات. استمرار القصف في ظل حضور الجيش يثير سؤالًا مفهومًا عن الأمان المنتظر. إلا أن تحويل هذا السؤال إلى حكم بعجز المؤسسة يتجاهل الطرف الذي ينفذ الاعتداء، ويمنحه فرصة لتقديم نتائج أفعاله بوصفها دليلًا ضد قدرة الدولة. هنا تصبح الاعتداءات عاملًا يقوض الثقة بالحل الذي يُطلب من اللبنانيين الرهان عليه.
هذه القراءة لا تمنح الجيش حصانة من النقد، وإنما تفرض مساءلة أكثر دقة. تُراجع إجراءاته ضمن صلاحياته، وتُسأل الحكومة عن قرارها وإمكاناتها، ويُقيَّم أداء الوسطاء بما يحققونه من التزام إسرائيلي. أما جمع هذه المسؤوليات في حكم واحد على المؤسسة العسكرية، فيحجب موضع التعطيل ويجعل المحاسبة أقل قدرة على تصحيحه.
دعم الدولة يُختبر في الميدان
تضع هذه المعادلة الدول الداعية إلى تعزيز دور الجيش أمام اختبار عملي. فتزويده بالإمكانات ينبغي أن يترافق مع حماية النتائج التي يحققها. التجهيز والتدريب والتمويل ضرورية، لكنها تفقد جزءًا من أثرها عندما تستطيع الاعتداءات المتكررة إعادة السكان إلى النزوح وتعطيل المهمة. صدقية الدعم الخارجي تُقاس أيضًا بقدرته على جعل الالتزام اللبناني منتجًا لنتائج متبادلة.
داخليًا، تقتضي مساندة الجيش تعاون القوى السياسية معه، وتسهيل إجراءاته، واحترام صلاحياته في ضبط السلاح والأنشطة المسلحة وفق القانون. لا يكفي الاحتجاج بالاعتداءات لتبرير أي عرقلة داخلية، مثلما لا يكفي تأييد الانتشار لتجاهل شروط نجاحه. المطلوب التزام يتيح للمؤسسة أداء مهمتها، ويحميها من الاستخدام في الصراع بين القوى التي تعلن جميعها الحرص على الدولة.
ما يميز هذا البيان أنه يتيح نقل النقاش إلى وقائع قابلة للمراجعة: إجراءات نُفذت، وترتيبات لم تكتمل، واعتداءات مستمرة، وعائلات تعجز عن الاستقرار. أمام هذه الوقائع، تحتاج السلطة إلى تحويل حصيلة الجيش إلى أساس لمطالبة سياسية واضحة بحماية مهمته وإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها. صدقية الدولة تُبنى بقدرتها على تثبيت ما تنجزه، وبحياة يستطيع أهل الجنوب استعادتها ومواصلة العيش فيها.
























































