ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عوده، قداس رفع الصليب في كاتدرائية القديس جاورجيوس.
وألقى عظة أشار فيها، إلى أنّه "أحبائي في كنيستنا الأرثوذكسية مكانة خاصة للصليب لأنه "بالصليب أتى الفرح لكل العالم"، ولأن الرب "إذ احتمل الصلب من أجلنا، بالموت للموت أباد وحطم". لحظة موت الرب يسوع بالجسد على الصليب "تفتحت القبور وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين" (متى 27: 52) لذلك نرتل "إن صليبك لهو حياة وقيامة لشعبك، وعليه اتكالنا". وقد خصصت كنيستنا يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع لذكر الصليب في صلواتها، كما تقيم عيد رفع الصليب بعد أن وجدت الإمبراطورة القديسة هيلانة في القر ن الرابع خشبة الصليب المفقودة، وتذكار السجود للصليب المقدس في الأحد الثالث من الصوم، لتشديد المؤمنين وحثهم على متابعة جهادهم حتى بلوغ الفصح المقدس".
وقال: "في عيد رفع الصليب الكريم المحيي لا تضع الكنيسة أمام أعيننا خشبة نكرمها، بل تكشف لنا كنه الإنجيل. فالصليب هو المكان الذي ظهرت فيه محبة الله بأكمل صورتها، وانكشف عمق جرح الإنسان. خطيئة الإنسان من جهة، ورحمة الله التي لا تحد من جهة أخرى. لذلك، لا نستطيع أن نفهم الصليب إن نظرنا إليه بمعزل عن الخلق والسقوط والتجسد والقيامة، لأن الصليب هو قلب تدبير الله لخلاص الإنسان".
وأضاف: "منذ العهد القديم كان الله يهيئ شعبه لفهم هذا السر. عندما لدغ بنو إسرائيل في البرية أمر الرب أن يصنع موسى حية نحاسية ويرفعها على راية «فيكون أن كل من لدغ متى نظر إليها يحيا» (عد 21: 8). لم تكن تلك الحادثة مجرد وسيلة للشفاء، بل كانت صورة مسبقة للصليب. لذلك، قال الرب يسوع لنيقوديموس: «كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 14-15). فالإنسان الذي جرحته الخطيئة لا يشفى بالإبتعاد عن الصليب، بل بالنظر بإيمان إلى المسيح المرفوع عليه".
ولفت إلى أنّه "هنا يظهر عجب محبة الله. الإنسان يستحق الموت بسبب الخطيئة، لكن المسيح الذي "لم يفعل خطيئة ولا وجد في فمه مكر" (1بط 2: 22) حمل الموت عوضا عنا. وما تنبأ به إشعياء النبي صار واقعا على الجلجلة: "وهو مجروح من أجل معاصينا، مسحوق من أجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبجراحه شفينا" (53: 5)".
وأوضح عوده أنّ "الصليب في الإيمان المسيحي ليس مجرد تذكار لألم المسيح، بل إعلان عن محبة بذلت ذاتها لكي تحيا الخليقة. هذا ما جعل الرسول بولس يهتف: «حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح» (غل 6: 14)".
وقال: "يفتخر الرسول بأداة كانت في نظر العالم علامة عار لأن الصليب الذي بدا ضعفا صار قوة، والذي بدا موتا صار ينبوع حياة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن الصليب كان في الماضي رمزا للدينونة، أما في المسيح فقد صار علامة الخلاص والمجد. فالذي صلب عليه المسيح لم يعد خشبة موت، بل صار عرشا أظهر منه الملك محبته وانتصاره. لكن الكنيسة، عندما ترفع الصليب أمامنا، لا تريدنا أن نكرم صليب المسيح ونرفض الصليب في حياتنا. فالمسيح الذي حمل الصليب من أجلنا يقول: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مت 16: 24). إن حمل الصليب لا يعني البحث عن الألم لذاته، بل يعني القبول بأن يموت إنساننا القديم لكي يحيا المسيح فينا. أن نحمل الصليب يعني أن نغفر حين يكون الغفران صعبا، وأن نتواضع حين تطل الكبرياء برأسها، وأن نصبر حين تضيق بنا الحياة، وأن نتمسك بمشيئة الله حين لا نفهم طرقه. لذا يقول الرسول بولس: «مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في» (غل 2: 20). غاية الصليب ليست أن يبقى المؤمن واقفا أمام آلامه، بل أن يعبر بها مع المسيح إلى القيامة. لذلك تطلق الكنيسة صفة "الكريم المحيي" على صليب المسيح. فالصليب لم يبق وسيلة تعذيب للمسيح بل صار الطريق إلى القبر الفارغ، ولم يكن خاتمة الإنجيل، بل أصبح الأداة التي منها أشر ق نور القيامة".
ولفت إلى أنّه "فلننظر اليوم إلى الصليب بعين الإيمان سائلين أنفسنا: ماذا يعني الصليب في حياتنا؟ هل هو مجرد إشارة نرسمها على أجسادنا، أم عهد نجدده في قلوبنا بأن نعيش للمسيح؟ هل نغفر ونتواضع ونحتمل؟ هل نترك الخطيئة التي صلبت المسيح من أجلنا ونجعل حياتنا شهادة صادقة لمجده؟ فلنرفع الصليب في قلوبنا قبل أن نعلقه في أعناقنا، ولنضع أنفسنا تحت ظله، عالمين أن الذي صلب عليه لم يبق في الموت، بل قام منتصرا. فإذا حملنا الصليب معه بأمانة، لن نخاف الصعوبات والأيام الشريرة، لأن نهاية الصليب قيامة وليست هزيمة. ولنبق على هذا الرجاء آمين".