منذ عام 2019، تغيّرت كلفة الطاقة على اللبناني بصورة جذرية. فصفيحة البنزين التي كانت بنحو 25 ألف ليرة أصبحت تتجاوز 2.7 مليون ليرة، وتعرفة كهرباء لبنان التي بقيت لسنوات عند عشرات الليرات للكيلوواط/ساعة أصبحت محتسبة بالسنت الأميركي، فيما بقي المولد الخاص فاتورة ثانية لا يستطيع عدد كبير من الأسر الاستغناء عنها.
قد تبدو الإجابة الأولى بديهية: انهارت الليرة، ورُفع الدعم، وأصبحت الأسعار "مدولرة". لكن العودة إلى الأرقام تفتح أسئلة أبعد من سعر الصرف. فحتى عند احتساب الكلفة بالدولار، اقترب سعر صفيحة البنزين من الضعف مقارنة بعام 2019، كما قاربت كلفة المولّد الضعف في مثال استهلاك ثابت، فيما ارتفعت كلفة الطاقة وفق تعرفة كهرباء لبنان الجديدة بأضعاف مقارنة بالتعرفة القديمة.
فلماذا يدفع اللبناني هذه الأسعار اليوم؟ وكم تفسّر الأسعار العالمية منها، وكم يعود إلى الرسوم والضرائب وكلفة الاستيراد والتمويل والخلل الداخلي؟
من 16.5 إلى أكثر من 30 دولارًا
في 17 تشرين الأول 2019، تُظهر بيانات تطور سعر البنزين التي أعدّها ممثل موزعي المحروقات جورج البراكس أن صفيحة البنزين 95 أوكتان كانت تبلغ 25,100 ليرة، أي نحو 16.57 دولارًا وفق سعر الصرف آنذاك.
أما اليوم، فتجاوزت الصفيحة 2.7 مليون ليرة، أي أكثر من 30 دولارًا وفق سعر صرف يقارب 89,500 ليرة للدولار.
وبالتالي، فإن السعر بالليرة ارتفع أكثر من مئة ضعف. لكن انهيار العملة لا يفسّر الصورة كلها: حتى بعد تحويل السعرين إلى الدولار، ارتفعت الصفيحة بنحو 83%، أي إنها أصبحت قريبة من ضعف سعرها في 2019.
وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كان سعر النفط الخام عالميًا هو أحد العوامل المؤثرة، فكيف كانت الصفيحة في مراحل سابقة أرخص أو قريبة من سعرها الحالي بالدولار عندما كانت أسعار النفط العالمية عند مستويات مرتفعة؟
ففي نيسان 2012، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 39,100 ليرة، أي نحو 25.9 دولارًا وفق سعر الصرف الرسمي آنذاك، في مرحلة كانت أسعار النفط العالمية مرتفعة. أما اليوم، فتتجاوز الصفيحة 30 دولارًا. فأين يتكوّن الفارق؟
برميل النفط ليس المعيار الوحيد
يشرح البراكس لـ"النشرة" أن المقارنة المباشرة بين سعر برميل النفط الخام وصفيحة البنزين لا تعطي الصورة الكاملة، لأن جدول تركيب الأسعار يتأثر بأسعار المشتقات النفطية المكررة عالميًا وليس بالخام وحده.
ويعطي مثالًا على ذلك: في 7 نيسان، كان سعر برميل النفط نحو 103 دولارات وسعر الصفيحة نحو 26 دولارًا، بينما بلغ النفط أخيرًا نحو 107 دولارات والصفيحة نحو 30.30 دولارًا.
ويشير إلى أن سعر طن المشتق النفطي المكرر وفق المؤشر المستخدم في التسعير ارتفع خلال الفترة نفسها من نحو 1056 إلى 1242 دولارًا، في ظل اضطرابات في أسواق المشتقات وتراجع بعض الإمدادات.
لكن السعر العالمي للمشتق لا يمثل وحده ما يدفعه المستهلك. فبحسب البراكس، تدخل في تركيبة الصفيحة أيضًا الرسوم الجمركية وأجور النقل والعمولات المصرفية وعمولة المحطة والضريبة على القيمة المضافة وسعر الصرف. ويشير إلى رسم جمركي بقيمة 300 ألف ليرة، إضافة إلى رسم بيئي والـTVA والعمولة المصرفية.
وهنا يصبح السؤال عن سعر الصفيحة سؤالًا عن تركيبتها كاملة، وليس فقط عن اتجاه برميل النفط.
الخبير الاقتصادي فرانسوا الباشا يضع المسألة في إطار أوسع. ويوضح لـ"النشرة" أن جزءًا كبيرًا من الارتفاع الهائل بالليرة منذ 2019 يعكس انهيار العملة، إضافة إلى رفع الدعم والانتقال إلى أسعار أصبحت أقرب إلى كلفتها الاقتصادية الفعلية.
لكنه يشير أيضًا إلى كلفة لبنانية إضافية: فضعف النظام المصرفي جعل تمويل التجارة الخارجية أكثر صعوبة، وأصبح المستورد مضطرًا بدرجة أكبر إلى تمويل وارداته مسبقًا أو تجميد سيولته الخاصة بالدولار، إضافة إلى كلفة الشحن والتأمين ومخاطر البلد والتخزين والتوزيع.
وبحسب الباشا، فإن لبنان بذلك "لا يستورد التضخم العالمي فحسب، بل يضيف إليه علاوة مرتبطة باختلالات اقتصاده وبنيته التحتية ونظامه المالي".
من 9.6$ إلى 64$
أما الكهرباء فتطرح مفارقة مختلفة. في 2019، كانت التعرفة المنزلية لأول 100 كيلوواط/ساعة تبلغ 35 ليرة للكيلوواط، و55 ليرة للشريحة بين 101 و300 كيلوواط/ساعة، قبل الانتقال إلى شرائح أعلى.
اليوم، تبلغ التعرفة 10 سنتات أميركية لأول 100 كيلوواط/ساعة و27 سنتًا لكل كيلوواط/ساعة يزيد على ذلك، قبل إضافة الرسوم والضرائب.
ولإظهار حجم التحول، إذا افترضنا استهلاكًا ثابتًا قدره 300 كيلوواط/ساعة، كانت كلفة الطاقة وفق شرائح التعرفة القديمة تبلغ نحو 14,500 ليرة، أي قرابة 9.6 دولارات وفق سعر الصرف الرسمي في 2019.
أما وفق التعرفة الحالية، فتبلغ كلفة الكمية نفسها 64 دولارًا قبل الرسوم والضرائب الأخرى. أي أن كلفة الطاقة في هذا المثال أصبحت نحو 6.7 أضعاف ما كانت عليه وفق التعرفة القديمة.
لكن المقارنة وحدها لا تكفي. فالباشا يشدد على أن تعرفة كهرباء لبنان القديمة كانت لسنوات أدنى بكثير من الكلفة الحقيقية للإنتاج، وكان الفارق يُموَّل بصورة غير مباشرة عبر عجز المؤسسة وتحويلات الدولة. ومع الأزمة، أصبحت التعرفة أقرب إلى الكلفة الاقتصادية. إلا أن السؤال الذي يبقى مطروحًا بالنسبة إلى المستهلك هو: إذا كان اللبناني أصبح يدفع تعرفة أعلى بكثير لكهرباء الدولة، فهل حصل في المقابل على زيادة في التغذية تغنيه عن فاتورة ثانية؟
فالارتفاع، بحسب الباشا، "لم يترافق مع الانتقال إلى تغذية كهربائية على مدار الساعة"، وبالتالي بقي المستهلك يدفع لمؤسسة كهرباء لبنان، ثم يدفع مرة أخرى للمولد لتغطية ساعات الانقطاع.
من 61 إلى نحو 112$
في أيلول 2019، حددت وزارة الطاقة تعرفة المولدات الخاصة بـ385 ليرة لكل كيلوواط/ساعة، إضافة إلى بدل ثابت قدره 15 ألف ليرة لاشتراك 5 أمبير.
أما في آب 2026، فبلغت التعرفة في المدن والمناطق الواقعة تحت 700 متر 48,241 ليرة للكيلوواط/ساعة، إضافة إلى بدل ثابت قدره 385 ألف ليرة لاشتراك 5 أمبير.
وباعتماد استهلاك افتراضي ثابت يبلغ 200 كيلوواط/ساعة، كانت الفاتورة وفق تسعيرة 2019 نحو 92 ألف ليرة، أي قرابة 61 دولارًا بالسعر الرسمي آنذاك.
أما وفق تسعيرة 2026، فتتجاوز 10 ملايين ليرة، أي نحو 112 دولارًا.
أي أن الكلفة في المثال نفسه ارتفعت بنحو 84% بالدولار، لتقترب بدورها من الضعف.
وهنا تظهر المشكلة التي تتجاوز مجرد ارتفاع التعرفة: اللبناني يدفع أكثر لكهرباء الدولة، وأكثر للمولد الخاص، فيما تتحول كلفة الطاقة أيضًا إلى عنصر يدخل في أسعار السلع والخدمات. فالمتجر والمطعم والسوبرماركت والمصنع والفندق يدفعون بدورهم كلفة الكهرباء الخاصة وينقلون جزءًا منها إلى المستهلك.
ويسمي الباشا هذه الحلقة "مضاعِف الكلفة اللبناني": السعر العالمي يصل إلى اقتصاد يتحمل أصلًا كلفة إضافية للتمويل والطاقة والتأمين والنقل ومخاطر البلد وضعف البنية التحتية.
وهكذا، لا تعود المقارنة بين 2019 واليوم مجرد مقارنة بين 25 ألف ليرة و2.7 مليون لصفيحة البنزين، أو بين تعرفة كهرباء قديمة وأخرى جديدة.
السؤال الأهم يصبح: لماذا وصلت الكلفة بالدولار نفسها إلى هذه المستويات، وما الذي يدفعه اللبناني فوق السعر العالمي، وماذا يحصل في المقابل؟
فاللبناني انتقل من أسعار كان جزء منها مدعومًا أو منخفضًا بفعل سعر صرف مثبت إلى أسعار "مدولرة" وأقرب إلى الكلفة الفعلية، لكن مداخيله لم تنتقل بالسرعة نفسها. وفي الكهرباء تحديدًا، ارتفع ما يدفعه للدولة من دون أن تختفي الحاجة إلى البديل الخاص.
وبذلك، فإن المشكلة منذ 2019 ليست فقط أن الأرقام بالليرة تضخمت، بل أن صفيحة البنزين قاربت ضعف سعرها بالدولار، وكلفة المولد قاربت الضعف في مثال الاستهلاك نفسه، فيما قفزت تعرفة كهرباء لبنان بأضعاف، وبقيت الأسرة تدفع فاتورتين للحصول على خدمة واحدة.






















































