خرجت حكومة ​نواف سلام​ من يومين من المساءلة النيابية بثقة 68 نائبًا، مقابل 12 صوتًا حجبوا الثقة عنها وامتناع نائبين. قد يكون الرقم حاسمًا من الناحية الدستورية لضمان بقاء الحكومة، لكنه لا يحسم الإشكالية السياسية التي أثارتها الجلسة منذ بدايتها. فبعض من صوّتوا لمصلحتها لم يترددوا في انتقاد أدائها، وبعض المختلفين معها في خيارات أساسية لم يصوّتوا ضدها، فيما اختار نواب "​حزب الله​" مغادرة القاعة قبل التصويت.

حتى داخل المساحة السياسية الواحدة، لم ينتج موقف واحد. فحركة "أمل" منحت الحكومة الثقة معبّرة في الوقت نفسه عن تحفظها، واختصر النائب قبلان قبلان المفارقة عندما أعلن تصويته بعبارة "مع الأسف ثقة". في المقابل، خرج نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" من القاعة من دون المشاركة في التصويت، رغم أن الحزب في موقف لا يُحسد عليه: فهو ممثل في الحكومة، لكنه يختلف معها بحدة في ملفات السلاح والحرب والتفاوض.

جاءت هذه النتيجة بعد مداخلات توزعت فيها الخلافات بين الاقتصاد والكهرباء والضرائب والرواتب من جهة، والسلاح والجنوب والتفاوض من جهة أخرى. لذلك لم ترسم الجلسة خطًا يفصل ببساطة بين من يؤيد الحكومة ومن يعارضها. فإذا كان الداعم ينتقد، والشريك يتحفظ، والمعارض يلتقي مع الحكومة في بعض خياراتها، يصبح السؤال المشروع: أين تبدأ الموالاة وأين تنتهي المعارضة في ​لبنان​؟

"الثقة لا تعني الموافقة"

لعلّ أبرز ما كشفه التصويت هو الفارق بين إعطاء الحكومة فرصة للاستمرار وبين تبني أدائها كاملًا، وهي مفارقة تصل أحيانًا إلى حد أن يهاجم نائب الحكومة بقسوة ثم يمنحها ثقته. في المقابل، حاول آخرون الوقوف في منطقة وسطى، كما فعل ​إبراهيم منيمنة​ الذي أعلن أنه سيدعم الحكومة عندما تصيب ويحاسبها عندما تخطئ، و​مارك ضو​ الذي جدد دعمه لحكومة سلام، لكنه طالبها بالتحرك بوتيرة أسرع.

هذه المواقف لم تكن استثناءً، إذ تكررت الصيغة نفسها بأشكال مختلفة لدى نواب يؤيدون الاتجاه العام للحكومة، ثم ينتقلون إلى انتقاد التنفيذ أو الخدمات أو البطء في الإصلاح. ولذلك يصعب التعامل مع الأصوات الـ68 المؤيدة للحكومة باعتبارها كتلة سياسية متجانسة. فبعضها يؤيد الحكومة انطلاقًا من قراراتها المتعلقة بحصرية السلاح واستعادة سلطة الدولة، وبعضها يعطي الأولوية للإصلاح المالي.

وبين هذه وتلك، ثمة من منح الحكومة ثقته انطلاقًا من قناعة بأن فتح باب الفراغ الحكومي في مرحلة الحرب والتفاوض وإعادة الإعمار قد يزيد المشهد تعقيدًا. وبذلك يبدو أن الجامع الأوضح بين الأصوات المؤيدة هو الرغبة في الإبقاء على الحكومة، لا الاتفاق بالضرورة على كل ما تفعله، حتى إنّ هناك من يعتقد أنّ "حزب الله" كان ليصوّت لمنح الحكومة الثقة لو شعر أنّ هذه الثقة مهدّدة عمليًا.

المعارضة نفسها منقسمة

وإذا كان مؤيدو الحكومة منقسمين على أنفسهم، فإنّ الجهة المقابلة لا تبدو أكثر تماسكًا. هنا برز ​جبران باسيل​ الذي قدّم "​التيار الوطني الحر​" بوضوح في موقع المعارضة، وهاجم الحكومة في ملفات الاقتصاد والكهرباء والضرائب والسياسة، مع تأكيده في الوقت نفسه تأييد مبدأ حصرية السلاح والتفاوض، وإن اختلف مع الحكومة في طريقة إدارة هذه الملفات. بذلك يصبح جزء من اعتراضه أقرب إلى اعتراض على الأداء والوسيلة منه إلى خلاف على جميع الأهداف.

أما موقف "حزب الله"، فجاء من مكان مختلف، إذ تمحورت السجالات التي شهدها المجلس بين نوابه ونواب "القوات اللبنانية" ومستقلين آخرين أساسًا حول مسؤولية الحرب ومستقبل السلاح والمقاومة والتفاوض، وليس على أداء الحكومة ككلّ. ثم جاءت لحظة التصويت لتضيف طبقة جديدة إلى الصورة، فالحزب لم يمنح الحكومة الثقة، لكنه لم يحجبها عنها أيضًا، واختار الخروج من القاعة عند طرح المسألة. أما حليفته حركة "أمل"، فبقيت وصوّتت لمصلحة الحكومة.

لهذا لا يمكن جمع النواب الـ12 الذين حجبوا الثقة عن الحكومة، والنواب المنسحبين قبل التصويت، وكل الذين انتقدوا الحكومة على مدى اليومين الماضيين تحت عنوان سياسي واحد. فأسباب الاعتراض مختلفة، وفي حالات كثيرة متناقضة، وكأن نظام "على القطعة" الذي شرّع البعض من خلاله تحالفات انتخابية يصعب تفسيرها سياسيًا، يمتد اليوم إلى العلاقة مع الحكومة نفسها: معها هنا، وضدها هناك، والثقة أو المعارضة تتغيران بتغير الملف.

سلام يحدد موقع حكومته

عمومًا، ساهم رد سلام في ختام الجلسة في رسم خط الحكومة بوضوح أكبر، بعد كلّ الجدل الذي أثير في مداخلات النواب. فقد أكد أن "الإطار الثلاثي" إطار سياسي للتفاوض وليس اتفاقًا أو معاهدة، وأن المفاوضات لم تحقق بعد النتائج التي يريدها لبنان، في ظل استمرار الاعتداءات وعدم اكتمال الانسحاب وملف الأسرى وعدم عودة جميع السكان إلى قراهم. كذلك ربط قوة الموقف اللبناني بتعزيز سلطة الدولة والجيش والوحدة الداخلية.

وفي هذا السياق، كان لافتًا تمسّك سلام بصيغة "دولة واحدة" و"جيش واحد"، وكذلك رفضه أن يكون لبنان ساحة لصراع المحاور، متحديًا منتقدي المسار الذي تتبعه حكومته بأن يقدموا طريقًا آخر يوقف الاعتداءات ويعيد الأسرى والأهالي بكلفة أقل. بهذا الرد، لم يسع رئيس الحكومة إلى تخفيف الفوارق التي ظهرت داخل المجلس، وإنما أكد الخيارات التي تشكل أساس سياسته، من حصرية السلاح إلى التفاوض واستعادة الدعم العربي والدولي.

أكثرية للبقاء لا أكثرية لكل الملفات

انتهى التصويت على الثقة. ضمنت الحكومة البقاء. لكنّ المشكلة التي تواجهها لم تنتهِ، بل لعلّها تبدأ من هنا. فالأصوات الـ68 التي حصلت عليها كانت كافية لتثبيت استمرارها، لكنها لا تضمن وجود الأكثرية نفسها عندما يصل كل ملف إلى مرحلة القرار. فالاصطفاف حول حصرية السلاح لا يشبه الاصطفاف حول الفجوة المالية، والتفاوض مع إسرائيل لا ينتج الخريطة نفسها التي تنتجها الضرائب أو الكهرباء أو الودائع.

هذه المعادلة ظهرت أصلًا خلال الجلسة، إذ دعم عدد من النواب الحكومة في خياراتها السيادية، بملفات حصرية السلاح والتفاوض مع إسرائيل، لكنهم انتقدوها اقتصاديًا، فيما هاجم آخرون سياستها في الجنوب مع بقائهم جزءًا من منظومة السلطة أو من البيئة الداعمة لاستمرارها. لذلك تستطيع حكومة سلام أن تربح تصويت الثقة، ثم تجد نفسها في اليوم التالي مطالبة بإعادة بناء أكثرية مختلفة حول قانون أو قرار آخر.

معنى ذلك أن الرقم الذي خرجت به الحكومة لا يلغي الانقسامات التي سبقته. هو يحدد من يريد استمرارها في هذه اللحظة، لكنه لا يرسم تحالفًا سياسيًا ثابتًا قادرًا على حمل برنامجها من أوله إلى آخره. وهنا ينتقل الامتحان من أكثرية البقاء إلى أكثرية الفعل: هل تستطيع الحكومة تحويل الدعم المتفرق لها إلى توافقات كافية لتمرير قراراتها وتنفيذها، أم تبقى محكومة بأكثريات مؤقتة تتبدل من ملف إلى آخر؟

المجلس حاسب الحكومة وكشف نفسه

قد يكون أهم ما أنتجته جلسة الثقة أنها عرّفت البرلمان بنفسه. "التيار الوطني الحر" ثبت موقعه المعارض، نواب داعمون لسلام فصلوا بين الثقة والمحاسبة، حركة "أمل" منحت الحكومة ثقة مشوبة بالتحفظ، و"حزب الله" اختار الانسحاب بدل وضع اسمه في خانة الثقة أو حجبها. أما السجالات، فكشفت أن خصوم الحكومة أنفسهم لا يقفون في المعسكر السياسي ذاته.

لا يحتاج هذا المشهد إلى انتظار الانتخابات المقبلة حتى تظهر دلالته. المجلس الحالي يقول إن النائب يمكن أن يكون مع الحكومة في ملف وضدها في آخر، وإن المشاركة في السلطة لا تمنع الاعتراض عليها، كما أن المعارضة لا تعني بالضرورة وجود بديل سياسي مشترك.

انتهت الجلسة إذًا بجواب واضح عن مصير حكومة نواف سلام: لديها الأصوات الكافية للاستمرار. لكن الرقم 68 لم يلغ السؤال الذي طرحه يوما المناقشة، وإنما جعله أكثر وضوحًا. ففي نظام تتغير فيه الأكثرية مع تغير الملف، ويستطيع فيه الداعم أن يحاسب والشريك أن يعترض والحليفان أن يصوتا بطريقتين مختلفتين، تصبح حدود الحكم والمعارضة أقل ارتباطًا بأسماء الكتل، وأكثر ارتباطًا بالسؤال المطروح في كل مرة تحت قبة البرلمان.