تعبر بنا حادثة صلب الرب يسوع المسيح من الموت إلى الحياة، ولهذا بتنا نقول عن الصليب إنّه علامة انتصار وظفر. فالكنيسة لا تكرّم أداةَ موت، بل تقف أمام خشبةٍ تمّ عليها خلاص البشرية.
علامات الانتصار ظاهرة في أيقونة الصلب، ونقرأها بوضوح في بنية يسوع الجسدية على الصليب.
فالأيقونة لا تقدّم شخصًا منهزمًا ومستسلمًا، بل المسيح الظافر الذي أتى إلى الصليب بملء حريته، ووفقًا للمشيئة الإلهية الواحدة للآب والابن والروح القدس: والثلاثة إله واحد، في طبيعة إلهية واحدة، وهم أزليّون قبل كل الدهور.
وكون المسيح هو الإله، وأنه مات فقط في طبيعته البشرية، وقام بسلطان طبيعته الإلهية ، تبرزه الأيقونة إلهًا جبّارًا ظافرًا، كأنها تقول، مع دستور الإيمان الذي لا يذكر كلمة مات: «صُلب عنّا على عهد بيلاطس البنطي، تألّم وقُبر وقام»، لأن طبيعته الإلهية لم تمت ولا تموت.
ومن هنا نشاهد جسد الرب على الصليب قويّ البنية ومفتول العضلات، وممدودًا ومنتصبًا، وليس منهارًا إلى الأسفل. ورأسه مائل إلى اليمين، في إشارة إلى رقاد طبيعته البشرية في الموت، من دون أن يعني ذلك الفناء أو الانحلال. فقد بقي جسد المسيح متحدًا بلاهوته، ولم ينفصل اللاهوت عن الناسوت لحظة واحدة. فاللغة الفنية والروحية للأيقونة تعبّر من خلال هيئة الجسد عن سلطان المسيح ومجده وظفره وألوهيّته.
كما لا يجب أن يُفهم إطلاقًا ما تقوله الآية: «ونكّس رأسه وأسلم الروح» (يوحنا 19: 30)، على أن الأمر كان غصبًا عنه، بل هو الذي فعل ذلك بإرادته الحرة، وعلى أثر ذلك أمات الموت بالموت.
مظاهر الألم والتعذيب والدم على الوجه والجسد غير موجودة. وهذه نقطة أساسية في القراءة اللاهوتية للأيقونة؛ فهي لا تقدّم مشهد للموت والعذاب يستثير الاستجداء والشفقة، بل تقدّم الصليب بوصفه إعلانًا عن انتصار المسيح على الموت.
القيامة حاضرة دائمًا في الأيقونة وفي الحياة الليتورجية للكنيسة. وهذا يظهر بوضوح في تقاريظ الجناز: «نعظّمك باستحقاق، يا معطي الحياة، يا من بسط يديه على الصليب، ساحقًا قدرة سلطان العدو». وهكذا لا يُفهم الصليب في الأيقونة بمعزل عن القيامة؛ فالمسيح المصلوب هو نفسه المسيح الظافر، والصليب ليس نهاية المشهد، بل هو طريق الظفر بالموت وظهور الحياة الأبديّة.
هناك أمر مهم جدًا يتعلّق بالعينين. فاللافت أن الإيقونوغرافيا المسيحية المبكرة لم تكن تصوّر المسيح المصلوب دائمًا بعينين مغمضتين. ففي بازيليك القديسة ماريا أنتيكا في إيطاليا، توجد جدارية تعود إلى القرن الثامن، ذات طابع أنطاكي، نرى فيها عيني الرب مفتوحتين. وكأننا، أمام هذه الأيقونة، نسمع صوت القديس يوحنا الذهبي الفم وهو يقف أمام المسيح المصلوب ويقول: «أراك مصلوبًا وأسبّحك كملك».
يأخذ طعن جنب المسيح في أيقونة الصلب طابعًا إفخارستيًا واضحًا؛ فنشاهد ملاكًا يحمل كأسًا ليتلقّى فيهما الدم والماء. وكأننا بذلك نسمع الرب يقول لتلاميذه في العشاء السرّي: «هذِهِ الكَأسُ هِيَ العَهْدُ الجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ» (لوقا 22: 20). وكذلك يقول عن الخبز: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي» (لوقا 22: 19).
وهكذا يظهر في الإيقونوغرافيا الأرثوذكسية ارتباط الصليب بالإفخارستيا: فالمسيح الذي يبذل جسده ويسفك دمه على الصليب هو نفسه المسيح الذي يقدّم ذاته للكنيسة في السرّ الإفخارستي. ومن ثمّ، لا يُفهم الصليب بمعزل عن القيامة والإفخارستيا، بل ضمن سرّ تدبير الخلاص كله.
أما شكل القدمين، ففي أقدم النماذج الإيقونوغرافية نراهما متجاورتين، لا متراكبتين فوق بعضهما. والإنجيل لا يحدّد عدد المسامير التي استُخدمت في الصلب، ولا يصف طريقة تثبيت القدمين. وقد انتشر في العصور الوسطى نمط القدمين المتراكبتين والمثبتتين بمسمار واحد، وأصبح واسع الانتشار في الفن الغربي، ولا سيما منذ القرن الثالث عشر.
نشاهد في بعض أيقونات الصلب عارضةً تحت قدمي المسيح يكون أحد طرفيها مرتفعًا والآخر منخفضًا. ويحمل هذا العنصر الإيقونوغرافي تفسيرًا رمزيًا؛ فالطرف المرتفع يشير إلى اللص التائب بينما يشير الطرف المنخفض إلى اللص الآخر الذي لم يتُب.
وكانت عارضة موطئ القدمين موجودة في الإيقونوغرافيا المسيحية قبل الألف الأول، كما تظهر في نماذج تعود إلى القرن الثامن، ومنها نماذج سينائية. أما العارضة المائلة، فقد اشتهرت بصورة خاصة في الإيقونوغرافية الروسية.
وللجمجمة والعظام عند أسفل الصليب يربط بين موضع الصلب وموضع دفن آدم. وكأن الأيقونة تشير بذلك إلى أن المسيح، آدم الجديد، جاء ليغلب الموت الذي دخل إلى العالم بسقوط آدم الأول. وتسمية «جلجثة» Golgotha الآراميّة تعني «الجمجمة».
أما أطراف الصليب الثلاثة، التي تأتي في بعض النماذج على هيئة ورقة البرسيم، أو ما يُعرف بالفرنسية بـ croix orthodoxe tréflée، فهي عنصر زخرفي. وقد تُقرأ رمزيًا بوصفها إشارة إلى الثالوث القدوس.
على العارضة فوق رأس المسيح، نشاهد أربعة أحرف: باليونانية ΙΝΒΙ ، وباللاتينية INRI ، وهي اختصار لعبارة: «يسوع الناصري ملك اليهود».
وحول رأس المسيح نشاهد الهالة، وفي داخلها شكل الصليب، وثلاثة أحرف يونانية Ο Ѡ Ν، أي «الكائن» أو «الذي هو» أي الله. هذا ما أعلنه المسيح عن نفسه: «الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا 8: 58). تمامَا كما أعلن الله عن اسمه لموسى (خروج 3: 14).
وفي الخلاصة، نتوقّف أمام قول المسيح على الصليب: «قَدْ أُكْمِلَ Τετέλεσται» (يوحنا 19: 30). الفعل اليوناني τελέω يعني: يُتمّ، يُنجز، يُكمل، ويبلغ الغاية τέλος أو يحقّقها - الاكتمال. لذلك، لا تعبّر الصيغة الفعلية Τετέλεσται (Tetélestai) عن «النهاية»، بل عن اكتمال العمل وبلوغ الغاية التي من أجلها أتى المسيح مع استمرار أثر اكتماله وحضوره. ألم يقل الرب لنا: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ» (يوحنا 4: 34) : أي يفتح طريق القيامة والحياة الآبديّة.
إلى الرب نطلب.
























































