من المقرر أن ينطلق العام الدراسي الجديد 2026–2027، اليوم الاثنين، في مدارس وكالة ​الأونروا​ في ​لبنان​. إلا أن انطلاقه هذا العام يتجاوز التعثر المعتاد الذي يرافق بداية كل عام دراسي، ليدخل على خط الغضب والاستياء الفلسطيني، في ظل قرارات الوكالة إغلاق مدرسة رفح في ​مدينة طرابلس​ ومدرسة البيرة في ​مخيم برج البراجنة​ في ​بيروت​، بالتوازي مع مخاوف من نقل مدرسة القدس في المخيم نفسه، مع اقتراب انتهاء عقد المبنى في نهاية العام 2026.

إغلاق مدرستين، والمخاوف من نقل مدرسة ثالثة، لم تعد قضية تربوية أو إدارية محصورة في ترتيبات العام الدراسي، بل تحولت إلى قضية فلسطينية عامة، أثارت موجة واسعة من الاستياء والرفض السياسي والشعبي والطلابي في المخيمات الفلسطينية.

وتزداد هذه المخاوف مع ترسخ قناعة لدى اللاجئين بأن ​تقليص الخدمات​ لا يأتي في إطار إجراءات مالية مؤقتة فحسب، بل ضمن مسار تدريجي لإعادة تعريف دور الأونروا وتقليص مسؤولياتها، تحت عنوان العجز المالي وتراجع مساهمات الدول المانحة.

وتقول مصادر فلسطينية لـ"النشرة" إن خطورة قرارات الأونروا جمعت حركتي فتح وحماس، ومعهما الفصائل الفلسطينية، على رفض تقليص خدمات الوكالة، رغم استمرار الخلافات السياسية بينها في غالبية القضايا.

ويكتسب هذا التلاقي أهمية خاصة في ظل صدور موقف واضح عن ​حركة فتح​، للمرة الأولى بهذا المستوى من الصراحة، حمل في طياته رفضًا مباشرًا لأي مسار يؤدي إلى تفكيك خدمات الوكالة أو نقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى.

قبول بتفكيك الأونروا؟

ورفضت حركة فتح في بيان اختزال ​أزمة الأونروا​ في بعدها المالي، معتبرة أن الأزمة تتداخل فيها ثلاثة مستويات مترابطة: سياسي، وتمويلي، وإداري.

على المستوى السياسي، تحدثت الحركة عن حملة ممنهجة لتفكيك الوكالة، فيما يرتبط المستوى التمويلي بتعليق مساهمات مانحين كبار واستمرار حجب التمويل، إلى جانب عجز مالي يُقدّر بنحو مئة مليون دولار. أما المستوى الإداري، فيظهر في الإجراءات التي فرضها العجز، ومنها إغلاق المدارس ودمجها، وتقليص الخدمات الصحية والإغاثية والاجتماعية، وخفض ساعات العمل والرواتب بنسبة 20 في المئة.

وأعلنت فتح موقفها في صيغة واضحة: الدفاع عن الأونروا لا يعني الدفاع عن كل قرار يصدر عنها، مؤكدة أن معركتها من أجل الوكالة وليست ضدها، وأن حماية الأونروا لا يمكن أن تتحول إلى إدارة أزمتها على حساب اللاجئين والموظفين والخدمات الأساسية، أو إلى تفكيك تدريجي لولايتها من الداخل.

وتذهب الحركة أبعد من ذلك عندما تضع جملة من "اللاءات" التي تعتبرها خطوطًا حمراء غير قابلة للتفاوض: لا لإقفال أي مدرسة أو دمجها، ولا لتقليص أي مرفق صحي أو إغاثي قبل توفير بديل فعلي ومقبول من مجتمع اللاجئين؛ ولا لنقل خدمات الوكالة إلى أي جهة بديلة، أممية أو دولية أو محلية، تحت أي مسمى؛ ولا لأي تعديل في تعريف اللاجئ الفلسطيني أو سجلات التسجيل أو نطاق الاستحقاق.

كما ترفض فتح تحميل موظفي الأونروا كلفة عجز مالي لم يصنعوه، وتؤكد رفض التوطين انسجامًا مع الثوابت الوطنية الفلسطينية ومع مقدمة الدستور اللبناني، إضافة إلى رفض التهجير والهجرة القسرية بوصفهما مخرجًا لمعالجة أزمة الخدمات.

تقليص الخدمات

وفي الاتجاه نفسه، أعلنت ​حركة حماس​، عبر دائرة "العمل الجماهيري"، رفضها القاطع لقرارات الأونروا المتعلقة بتقليص الخدمات وإغلاق ودمج عدد من المدارس، محذرة من التداعيات التي يمكن أن تترتب على هذه الخطوات بالنسبة إلى مجتمع ​اللاجئين الفلسطينيين​ وقضيتهم الوطنية.

وقالت حماس إن الإجراءات المتسارعة للأونروا، وآخرها دمج عدد كبير من المدارس، تتجاوز ما تصفه الوكالة بأنه أزمة مالية أو ضعف في التمويل، معتبرة أن وتيرة هذه الإجراءات تشير إلى مسار يهدف إلى نقل الخدمات التي تقدمها الأونروا، إما إلى منظمات دولية أخرى، أو إلى فرض واقع جديد على الحكومة اللبنانية بهدف دفعها إلى تلقف تداعيات الأزمة، بما يهدد، بحسب الحركة، الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء.

وجددت حماس تحذيرها من نتائج هذه السياسة، مؤكدة رفض أي تقليص للخدمات أو دمج للمدارس، وداعية القوى الشعبية إلى رفض قرارات الأونروا والاعتراض على عملية دمج المدارس.

وبين الموقفين، تبدو قضية الأونروا واحدة من الملفات التي استطاعت أن تفرض نفسها خارج الاصطفافات السياسية المعتادة. فخلافًا للتباينات بين فتح وحماس في ملفات سياسية عديدة، تلتقي الحركتان عند رفض تقليص خدمات الوكالة، والتحذير من أن تتحول الأزمة المالية إلى بوابة لتغيير طبيعة دور الأونروا أو نقل خدماتها إلى جهات أخرى.

ولا تقتصر المخاوف على القوى السياسية. فقرارات إغلاق المدارس ودمجها، إلى جانب تقليص ال​خدمات التعليم​ية والمهنية، بما في ذلك تقليص برامج في مركز سبلين للتدريب، أثارت اعتراضات واسعة لدى الاتحادات الطلابية والقوى الأهلية ومجتمع اللاجئين، الذي ينظر إلى التعليم والصحة والإغاثة باعتبارها خدمات أساسية لا يمكن التعامل معها بمنطق الأرقام المالية وحدها.

وتتجمع المخاوف الشعبية والأهلية والطلابية في ثلاث نقاط أساسية: أولاً، اكتظاظ الصفوف؛ ثانيًا، أعباء معيشية ومسافات أطول؛ ثالثًا، المخاوف من التصفية التدريجية للخدمات، حيث خشيت القوى الفلسطينية والفعاليات الشعبية أن تتحول المدارس إلى مدخل لتوسيع سياسة التقليص، بحيث تمتد لاحقًا إلى القطاعات الصحية والإغاثية والاجتماعية، وصولاً إلى تفكيك تدريجي لخدمات الأونروا ونقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى.