ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن أوروبا تستعد للحرب، وأن التحذير الذي أطلقه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في موسكو، إلى جانب موجة من الهجمات الإلكترونية وأعمال التخريب، وضع القارة في حالة تأهب قصوى، مع نقص في الوقود واحتمال تعبئة روسية جديدة يغذيان المخاوف من هجوم على ممر سوفالكي أو استفزاز على الحدود البولندية، فيما ينفي الكرملين أي نوايا عدوانية.
وأوضحت الصحيفة أن الحذر الذي ميّز الدول الأوروبية والناتو اختفى خلال أسبوع واحد، إذ تحدث القادة علنًا عن احتمال مهاجمة روسيا لدولة عضو في الحلف، فقال الأمين العام للناتو مارك روته إن الضربات الروسية القريبة من أراضي الحلف تُظهر "يأس" الرئيس فلاديمير بوتين و"رغبته في بث الخوف والرعب"، فيما دعا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب مواطنيه إلى "الاستعداد الذهني" لحدث ما، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد اجتماع قادة الأحزاب في غرفة الأزمات بقصر الإليزيه إن "التهديد، ولا سيما الهجين الروسي، تصاعد في الأسابيع الأخيرة". وجاءت أوضح التحذيرات من بولندا، إذ قال رئيس وزرائها دونالد توسك في خطاب خاص أمام البرلمان إن "التقييمات الاستخبارية تشير إلى أن الخطة الروسية تشمل أيضًا ضربات هجينة بطائرات مسيّرة وصواريخ ضد دول تدعم أوكرانيا، بما فيها بولندا"، محذرًا من "خطر حقيقي" بدخول مسيّرات أو صواريخ إلى أراضي دولة أو أكثر على الجناح الشرقي للناتو وإلحاق أضرار، ثم تصف موسكو الحادث بأنه عرضي.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحدث المحوري الذي أشعل موجة القلق كان زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إلى موسكو في 25 آب الماضي، وهي زيارة غير معلنة استمرت ساعات قليلة، حذّر خلالها المسؤولين الروس من مهاجمة دول الناتو مع تركيز خاص على دول البلطيق، وأكد التزام واشنطن بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، وهي أول زيارة معلنة لمدير استخبارات أميركي إلى موسكو منذ رحلة ويليام بيرنز في تشرين الثاني 2021.
ولفتت الصحيفة إلى أن ما قد يدفع بوتين إلى تصعيد الحرب غربًا هو حال النزاع في أوكرانيا بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على الغزو الشامل، إذ يستمر القتال الاستنزافي من دون حسم، ووفق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن تكبد الجيش الروسي نحو 1.4 مليون إصابة ميدانية منذ شباط 2022 بينها ما يصل إلى 450 ألف قتيل، فيما انتقل الجهد الرئيسي لتحقيق اختراق إلى الجو، إذ تقصف روسيا كييف بالصواريخ الباليستية وأسراب المسيّرات شبه يوميًا، وتضرب أوكرانيا عمق روسيا وتستهدف صناعة التكرير، ما أدى إلى انخفاض إنتاج المصافي إلى أدنى مستوى في أكثر من عقدين وانتشار نقص الوقود، كما استهدفت أوكرانيا مستودعات "وايلدبيريز" العملاق للتجارة الإلكترونية، ما ألحق خسائر تجارية واسعة.
وذكرت الصحيفة أن احتمال التعبئة العامة يلوح في الأفق، إذ أفادت "وول ستريت جورنال" في آب الماضي نقلًا عن مسؤولين أميركيين بأن الكرملين يدرس جولة جديدة من التعبئة الإلزامية، وتقدّر الاستخبارات الأوكرانية أن هيئة الأركان الروسية أعدت خططًا طارئة لتعبئة مئات الآلاف خلال العام المقبل والذي يليه، وأن انتخابات مجلس الدوما التي بدأت الجمعة وتنتهي الأحد قد تفتح نافذة أوسع للتعبئة بعدها.
وأشارت الصحيفة إلى أن ما يطمح إليه بوتين من عملية ضد دول أوروبية ليس غزوًا واسع النطاق، بل عملية محدودة وغامضة تدفع الحلف إلى التساؤل عمّا إذا كان قد جرى تجاوز عتبة المادة الخامسة، إذ إن رد الناتو بالبيانات وحدها قد يكشف عجز المعاهدة التأسيسية عن ردع عدو يضرب أعضاءها، ويفتح نقاشًا أوروبيًا جديدًا حول دعم أوكرانيا ويرفع الكلفة السياسية لهذا الدعم حتى تجد كييف نفسها مضطرة لقبول اتفاق بشروط أقرب إلى موسكو.
وأوضحت الصحيفة أن السيناريو الأبرز يتمثل في تصعيد كبير للحرب الهجينة التي تشمل أعمال حرق في مصانع الأسلحة وتخريب كابلات وأنابيب في بحر البلطيق وهجمات إلكترونية وتعطيل نظام تحديد المواقع وحملات تضليل ودفع مهاجرين نحو الحدود البولندية الشرقية، إذ وثقت وكالة أسوشيتد برس نحو 200 حادث تخريب ونشاط خبيث في أوروبا منذ الغزو الشامل نسبتها مسؤولون غربيون أو محققون إلى روسيا، بينها انفجار في سكة حديد بين وارسو ولوبلين في تشرين الثاني 2025 وصفه توسك بأنه "عمل تخريبي غير مسبوق"، وطائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات عُثر عليها في مطار لايبزيغ/هاله في آب، وأعلنت برلين في أيلول مسؤولية روسيا عنها، وفي الأسبوع الماضي وحده ضربت طائرة روسية قطار ركاب على بعد كيلومترين من الحدود البولندية، وأسقطت طائرات الناتو مسيّرة فوق ليتوانيا، وأطلقت سفينة حربية روسية قنابل مضيئة باتجاه مروحية دنماركية فوق بحر البلطيق، وهو جزء من قائمة أطول.
وأشارت الصحيفة إلى سيناريو ثانٍ أكثر خطورة يتمثل في عملية برية على أراضي الناتو، لا غزوًا واسع النطاق بل استيلاء محدود على منطقة صغيرة لدفع الحلف إلى اتخاذ قرار، وقد تكون الذريعة الروسية اضطهادًا مزعومًا للناطقين بالروسية في إستونيا أو لاتفيا، ثم عبور قوات روسية بلا شارات، كما حدث في القرم عام 2014 وجورجيا عام 2008، أو استهداف ممر سوفالكي، وهو corridor بطول نحو 65 كيلومترًا على الحدود البولندية-الليتوانية يفصل بيلاروسيا عن كالينينغراد، ويشكل الرابط البري الوحيد بين بقية الحلف ودول البلطيق.
وخلصت الصحيفة إلى أن روسيا تنفي أي نوايا عدوانية، إذ قال بوتين في اجتماع لجنة الصناعات العسكرية في الكرملين الجمعة إن "روسيا لا تملك نوايا عدوانية تجاه أوروبا أو الدول الأوروبية. ليس لدينا ببساطة أي أساس لذلك. نحن مستعدون للتعاون واستعادة العلاقات مع جيراننا الأوروبيين"، متهمًا القادة الأوروبيين باختلاق التهديد الروسي لتبرير دعمهم لأوكرانيا وإنفاقهم المفرط، فيما لا يبدو حتى الآن أن هناك دليلًا على استعدادات لعملية عسكرية روسية واسعة قريبة على غرار ما ظهر قبل الغزو الشامل، إذ قالت "معهد دراسة الحرب" إنه لم يجد مؤشرات مماثلة تجاه دول البلطيق مع تحذيره من أن عملية محدودة لا تتطلب بالضرورة استعدادات ظاهرة، وسعى مسؤولون في دول البلطيق إلى طمأنة الرأي العام، إذ قال وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساهكنا إن التهديد الروسي واحتمال استفزازات ضد الناتو يجب أن يؤخذا على محمل الجد لكن تقييم بلاده للتهديد لم يتغير، ومع ذلك لا أحد مطمئن تمامًا، لأن الكرملين كرر في أواخر 2021 وأوائل 2022 نفي نيته غزو أوكرانيا وسخر من التحذيرات حتى عشية الغزو، وتعلم الأوروبيون أن النفي الروسي لا يحسم المسألة.




















































