فيما تستشري العلل المزمنة في القطاع التربوي الرسمي في لبنان، لا تبشّر المقاربات المتبعة في معالجة هذه العلل بأي خير، ولا يلوح في الأفق أي بصيص أمل!
فمقاربة المعضلات التربوية للمدارس والثانويات الرسمية، كما للتعليم الرسمي بشكل عام، لا تكون إلا بالهروب إلى الأمام، واتباع أسهل الطرق: إقفال "المدارس المتعثرة"، على طريقة الشاعر المتنبي في قوله:
"وسيفي كان في الهيجا طبيبًا يداوي رأس من يشكو الصداعا"
واقع مرير
أما المعضلات التربوية، العابرة للقطاعين العام والخاص، فتتجلّى من خلال تراجع في أعداد المتعلمين في لبنان، من 6.8% في العام 2019، إلى 3.3% هذه السنة. وبتعبير آخر، فإن أكثر من 39 ألف متعلم باتوا اليوم خارج المدرسة!
إنه واقع مرير لوطن يخسر سكانه بالهجرة، كما وتعاني غالبية المواطنين الصامدين فيه ارتفاعًا هائلًا في كلفة التعليم.
وهذه المعضلة سيتعاظم خطرها هذا العام الدراسي الجديد 2026–2027، فيما تتعرض المدارس الرسمية والثانويات للإغلاق أو الدمج أو التحويل إلى مراكز نزوح، من دون معايير موحدة للإغلاق والدمج، ولا خطط تربوية واضحة، وعبر اللجوء إلى "سيف المتنبي" في التعاطي مع المؤسسات التربوية الرسمية "المتعثرة".
وتزامنًا، يتنامى التسرب المدرسي، مع الارتفاع الكبير في كلفة التعليم (الخدمات المدرسية ارتفعت منذ العام 2019 بنسبة 5,487%، وأما القرطاسية والكتب المدرسية فبلغ ارتفاعها 5,909%).
وكان يُفترض أن يكون الحل باللجوء إلى المدارس والثانويات الرسمية، غير أن هذا الخيار لم يكن متاحًا بسبب الإضرابات المتكررة للمعلمين، أضف إلى ذلك الحروب الأخيرة على لبنان، وتحوّل المؤسسات التعليمية الرسمية إلى مراكز نزوح.
وأما المدارس الخاصة، فارتفاع كلفة التعليم فيها يفوق قدرة السواد الأعظم من اللبنانيين على تحمّلها!
ويقول الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر، في هذا الإطار، إن النسبة الوسطية لارتفاع الأقساط المدرسية في المدارس الكاثوليكية بلغت في العام الدراسي 2025–2026 حوالي الـ25%.
وفي المقابل، تراجع الإنفاق الحكومي على التربية، من حوالي مليار و372 مليون دولار، إلى 408 ملايين دولار.
وأما برامج دعم التعليم الرسمي، المموّلة دوليًا، فلا تتعدى المسكّنات الإخبارية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، المشروع الذي أطلقته وزارة التربية والتعليم العالي، بالتعاون مع "الوكالة اليابانية للتعاون الدولي" (JICA)، في 27 تموز 2025، وقيل وقتها إنه يهدف إلى دعم قطاع التعليم الرسمي في لبنان وتطويره.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى دعم "الصندوق الائتماني للتربية" (TREF) النظام التعليمي الرسمي في لبنان، من خلال تمويل متعدد السنوات، بهدف "تحسين جودة التعليم، والحوكمة، والكفاية في استخدام الموارد، وضمان وصول الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة إلى فرص التعليم"...
الحاجة إلى خطة
كما وتبرز أيضًا الحاجة إلى إعادة تقييم تربوي للتعليم الرسمي في لبنان. وفي هذا الإطار، دعا مقرر لجنة التربية النيابية الدكتور إدكار طرابلسي إلى "إعادة تقييم خطة إقفال المدارس الرسمية ووضع خطط للنهوض بالمدارس المتراجعة بدلًا من إغلاقها"، مشيرًا إلى "التراجع عن قرار إقفال مدرسة مشمش بعد تحرّك الأهالي والبلدية".
وكذلك طالب طرابلسي بـ"معالجة أوضاع نحو 3500 أستاذ متعاقد تحتاج إليهم المدارس الرسمية، وبخاصة في الرياضيات والكيمياء والفيزياء واللغات، وحسم ملف الناجحين في مباراة مجلس الخدمة المدنية لعام 2016".
كما ودعا مجلس النواب إلى تحمّل مسؤولياته في ملف المتقدمين بصفة حرة إلى الامتحانات الرسمية، بعد وصول اقتراح قانون لمعالجة أوضاعهم.
إن شعار "المركز التربوي للبحوث والإنماء" هو: "بالتربية نبني"... ولكن التربية إذا غابت... فما من وسيلة أخرى للبناء!























































