في نيويورك، تفتح الأمم المتحدة اليوم أبوابها للعالم. لكن العالم الذي يدخل هذه المرة ليس نفسه الذي عرفناه بالأمس.
في الدورة الحادية والثمانين، تتسابق الصراعات على باب المنظمة الدولية. غزة تنزف تحت الركام، وإيران تقف في قلب عاصفة قد تجرّ المنطقة بسببها إلى المجهول: لبنان المنهك، واليمن يواصل دفع ثمن جغرافيته، والسعودية التي تركت بسرعة برامجها النجوميّة اتجهت إلى صراع لا يشبه طموحها. في المقلب الآخر، أوروبا تقف على أرض ساخنة، وألمانيا تكافح اقتصادًا يتهاوى... روسيا تلوّح بالنووي وتبيع كمّامات الغاز للمدنيين، كوريا الشمالية تقترب أكثر من الخط الأحمر عسكريًا، والصين تناور بعيدًا، بينما تمضي أميركا في حروب لم تُكتب نهايتها بعد... مشهد يأخذنا إلى كتب التاريخ عندما فتحت الأزمات الاقتصادية والسياسية الكبرى أبواب حروب عالمية.
أما أفريقيا، فقد وصلت إلى نيويورك هذا العام وهي تحمل قارتها على كتفيها؛ قارة غنية بما يكفي لتُغري العالم بثرواتها، وفقيرة بما يكفي ليختلف العالم على كيفية إنقاذها... والاستفادة منها.
وصل السودان بصراعه ومجاعته، والساحل بأمنه الممزق، والقرن الأفريقي بعواصفه القديمة والجديدة، فيما يواصل ملايين الأفارقة دفع ثمن حروب لا تنتهي، واقتصاديات مثقلة بالديون، ومناخ لم يعد يرحم أحدًا.
كل هذه الملفات على اختلاف لغاتها، وصلت اليوم إلى نيويورك. ولهذا تبدو الجمعية العامة 81 أشبه بغرفة طوارئ كونية! كل وفد حمل همّه تحت ذراعيه: حرب يُراد لها أن تنتهي، واقتصاد يبحث له عن مخرج، ومناخ لم يعد ينتظر الوعود، وتكنولوجيا تتقدم أسرع من قدرة العالم على تنظيمها.
في الدورة 81، المناخ والذكاء الاصطناعي ليسا وحدهما. فالحروب والأمن الدولي، والتنمية وأهداف 2030، والصحة والاستعداد للأوبئة، وحقوق الإنسان، والهجرة واللاجئون، ونزع السلاح النووي، وإصلاح الأمم المتحدة، كلها ملفات أخذت طريقها إلى كواليس اللقاءات هذا الأسبوع.
لكن الدبلوماسية الحقيقية كثيرًا ما تبدأ عندما تنطفئ الميكروفونات، بين وفد يحمل قضية، وآخر يريد دعمًا، وثالث يبحث عن حليف.
بعيدًا عن خطب المنابر، ستدور النقاشات الجانبية حول الأمين العام الجديد للأمم المتحدة: من سيكون، ومن يملك مفاتيح وصوله إلى المنصب، وأي اسم يمكن أن يعبر متاهة التوازنات الدولية؟
"مجلس السلام"، الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب العام الماضي في نيويورك ليحلّ محل الأمم المتحدة، يبدو أنه لم يجد الدعم الدولي الكامل. فالبديل مولود غير مكتمل... والأصل، رغم الصعوبات المالية، يبقى مفتوحًا.
في الجمعية اليوم، نقاشات تفتش عن ردّ بسبب الرئيس الأميركي الذي جعل من السياسة بورصة للعقارات: غرينلاند في الشمال، وكندا إلى جوارها، معلنًا عن رغبته بامتلاك الأخيرة بعد ضربها بالعقوبات الاقتصادية. والمفارقة أن أوروبا، التي تفصلها عن كندا محيطات وبحار، فتحت لها ذراعيها؛ حتى باتت أوتاوا تقترب من بروكسل كلما ابتعدت واشنطن. وفي الأفق القريب، لا يبدو التصعيد حول إيران مجرد طبول بعيدة، بل خطرًا يقترب من لحظة الانفجار، فيما تتواصل الحرائق في منشآت روسيا النفطية، وتتوالى الإشارات الصينية المنذرة بضرب تايوان. وبين التهديد والوعيد، يتسابق الصاروخ مع الخطاب الدبلوماسي. فهل تنجح نيويورك في إطفاء الحرائق قبل أن تندلع، وقبل أن تنقطع شرايين الاتصالات بين القارات؟
وصل العرب إلى نيويورك وكلٌّ يحمل خريطته الصغيرة، فيما تضيق الخريطة الكبيرة. أهدافهم لم تعد متطابقة، وتحالفاتهم تتشعب بين الخليج والأناضول وإسلام آباد، بينما تتقدم الحسابات الطائفية على الحلم العربي القديم. وحتى مطلب المقعد العربي الدائم في مجلس الأمن، ما زال حاضرًا رسميًا فقط. وفي زمن تتقاطع فيه المصالح من اليمن إلى الخليج، ومن الجزائر إلى المشرق، يبدو السؤال مؤسفًا أكثر من كونه سياسيًا: متى يدرك العرب ما قاله أحمد شوقي قبل أكثر من قرن: "كلُّنا في الهمِّ شرق"!
ومع فجر الجمعية العامة 81، يقف الشرق الأوسط على حافة نارٍ تشتعل. السعودية في قلب هذا المشهد الحساس، ففي الهجوم على الرياض لم يهدَّد أمن المملكة وحدها، بل يضع أمن الطاقة والممرات الحيوية ومعادلات الردع في المنطقة أمام خطر كبير. وحين يلتقي هذا الشرق الأوسط الملتهب بأوروبا المضطربة، حيث تتصاعد لغة الاستعداد للحرب، يصبح المشهد أكبر من أزمات متفرقة؛ إنه تقاطع أزمات قد يدفع العالم، إذا فشلت الدبلوماسية، نحو حرب عالمية ثالثة.
لبنان وصل إلى نيويورك حاملًا وجعه في حقيبة دبلوماسيّة، محاولًا إخفاء تشرذمه مثل كل عام. ولكن مع وصول وزير الخارجية "جو رجّي" إلى جانب رئيس الحكومة "نواف سلام"، اكتملت الصورة اللبنانية: وفد دبلوماسي كامل، كما يليق بوفود الدول، تجمعه هذه المرة الخبرة الدبلوماسية، مهما اختلفت الرؤى بين أفراده. والأكيد أن فنادق نيويورك لن تسمع هذا العام صراخًا لبنانيًا كالذي رافق خطاب العام الماضي، حين كان النص ضعيفًا يفتقد للدبلوماسية، فشُبّهت كلمة لبنان بقصيدة لسعيد عقل أكثر مما اقتربت من بيان دولة ونفَس سياسي مُشبع بالخبرة والرؤية.
في لبنان، يبقى الجنوب في قلب النار. وصلت إسرائيل إلى هدفها، مياه الليطاني، حيث بدأ جيش الاحتلال بإقامة جسور فوق مجرى النهر وشقّ طرق عسكرية جديدة.
تُرى ماذا سيقول لبنان في الجمعية العامة؟ فهو لن يحتاج إلى قصيدة جديدة، بل إلى صوت دولة تعرف ماذا تريد وسط هذا الإعصار العالمي؛ دولة تستند إلى دستورها، وإلى حقّها في استعادة أراضيها من الإسرائيلي بقرار أممي هارب من الفيتو الأميركي.
آن للبنان أن يطلق نداءً من نيويورك، بصوتٍ "رجّيّ"، من أجل "سلام" دائم لكل شبر من أرضه، وأن يقولها بوضوح وثبات: على إسرائيل أن تنسحب من الجنوب، وأن يُحاسَب، أمام المحاكم الدولية، كل من ارتكب الجرائم بحق شعبه، أيًا كان. وعلى المجتمع الدولي أن يدعم لبنان سياسيًا وعسكريًا، بما يقوّي جيشه، ويصون قراره الوطني، ويمكّنه من بسط سيادته الكاملة على أرضه.
لبنان اختار الدولة. فهل يختار العالم معه القانون؟
الأمم المتحدة- نيويورك