دخلت الساحة اللبنانية، في الوقت الراهن، مرحلة بالغة التعقيد، حيث تغيب الرؤية الواضحة لما قد تحمله الأيام المقبلة من تطورات. وهو ما يدفع بعض الشخصيات السياسية إلى التشديد على أهمية العمل على خفض حدة الخطابات، بانتظار الانتهاء من بعض الاستحقاقات الأساسية، تحديدًا الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة.
في المرحلة الحالية، ليس هناك في الداخل من يملك جوابًا واضحًا حول المسار الذي من الممكن أن تسلكه الأحداث في المنطقة. حيث يبقى السؤال الأبرز عما إذا كانت متجهة إلى المزيد من التصعيد العسكري، خصوصًا على المسار الأميركي–الإيراني، أو إلى تهدئة مرحلية بهدف تمرير الرئيس دونالد ترامب الانتخابات النصفية لديه، أم من الممكن أن تحصل مفاجأة تقود إلى تسوية كبرى يكون لها انعكاساتها على لبنان، رغم صعوبة توقع حصول الاحتمال الأخير.
بعض الجهات المعنية تؤكد أنها كانت قد تبلغت، منذ أسابيع، أن المسار العام في لبنان لن يشهد أي تبدل جوهري، نظرًا إلى أن واشنطن لن تبادر إلى ممارسة أي ضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل انتخابات الكنيست، في حين أنه لن يكون في وارد المبادرة إلى تقديم أي تنازل، بسبب التداعيات التي من الممكن أن يتركها ذلك على واقعه الداخلي، في ظل المنافسة الشرسة التي يتعرض لها في استحقاق يعتبره مصيريًا على مستوى مستقبله السياسي.
في الأيام الماضية، تحديدًا بعد التطورات التي برزت على الساحة اليمنية، دخل معطى جديد مقلق على خط التطورات المحلية، حيث باتت الكثير من علامات الاستفهام تُطرح حول ما إذا كان التقدم العسكري الذي أحرزته حركة "أنصار الله" سيقود إلى انفجار الأوضاع الإقليمية من جديد. لا سيما أن ترامب قد يستغل ذلك من أجل دفع العديد من الجهات إلى الانخراط في الحرب على إيران، بعد أن ظهرت بالتزامن تسريبات تشير إلى أنه رفض طلبات سعودية بالتدخل.
هذا المعطى لم يكن الوحيد الذي يبعث على القلق، على اعتبار أن هناك مؤشرات أخرى سلبية كانت قد سُجلت أيضًا، منها التهديد الذي صدر عن الجانب الإيراني من أي عملية عسكرية قد تشنها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى التحركات التصعيدية التي تقوم بها إسرائيل في القرى والبلدات الجنوبية. من دون تجاهل التداعيات السلبية التي يتركها ارتفاع أسعار النفط عالميًا على الأوضاع المعيشية في الساحة المحلية، التي فتحت الباب أمام مجموعة من التحذيرات من أن تقود إلى تحركات واسعة في الشارع.
ما تقدّم يدفع بعض الجهات السياسية، التي تُصنف وسطية، إلى الدعوة إلى تحديد أولويات يجب تركيز العمل عليها سريعًا، بدل الاستمرار في سجالات لن تقود إلى أي نتيجة، نظرًا إلى أنها تتركز على ملفات يدرك الجميع أن حلها ليس بيد أي فريق محلي. وبالتالي، من المفترض انتظار ما قد يحصل على المستوى الإقليمي من تحولات لا أحد يملك القدرة على تحديد المدى الزمني المحتمل لها.
من أبرز الأولويات التي تُطرح، العمل على تحصين الساحة الداخلية عبر مجموعة من الإجراءات، تبدأ من الحد من تداعيات أي تدهور أكبر على المستوى المعيشي، بالإضافة إلى التحضير لاحتمال تدهور الأوضاع على المستوى العسكري من جديد. طالما أن أحدًا لا يستطيع أن يضمن ما قد يقدم عليه نتنياهو في الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات لديه، بالإضافة إلى أن فرضية عودة الحرب على إيران لا تزال قائمة.
بالتزامن، لا ينبغي تجاهل التحديات التي تتطلب حدًا أدنى من التوافقات المحلية، بغض النظر عن الخلافات الكبرى حولها، تحديدًا بالنسبة إلى المسار المتعلق بمواجهة التهديدات الإسرائيلية. حيث المطلوب موقف موحد من الأولويات التي من المفترض العمل على تحقيقها، سواء عبر مسار المفاوضات المباشرة الذي تقوم به السلطة الرسمية، أو عبر المسار الأميركي–الإيراني الذي يتمسك به "حزب الله"، إلى جانب تحديد نقاط عريضة مشتركة حول ما يمكن أن يُطرح بالنسبة إلى مستقبل قوات "اليونيفيل".
في المحصلة، قد يكون من الصعب اليوم الحديث عن ضرورة الذهاب إلى حوار وطني حول الخلافات القائمة، في ظل الانقسام العمودي الذي تزداد حدته يومًا بعد آخر. إلا أن ما يمكن العمل عليه هو الحد من التداعيات الكارثية على الأقل، طالما أن الجميع متفق على أن الحلول الأكبر تبقى في الخارج المنشغل بملفات أكثر أهمية من وجهة نظره.