أ- مقدّمة
منذ حوالي الشهر عُرِضَت على منصّات التواصل (يوتيوب من بينها) حلقة للمُقدّم كرم حلّوم استضاف فيها مُبشِّرًا إنجيليًّا إسمه الأخ رشيد. نالت الحلقة نسبة مشاهدات عالية وخَلَقَت جَدَلًا كبيرًا نأت بنفسها عنها السلطات الكَنَسيّة الشرقيّة كافةً. للأسف هذه الحلقة طرحت أسئلة كانت مشككة جدًا للبعض وبخاصة للمؤمنين والذين يكتفون بسرّ عِمادِهِم كَوثيقة دخول الى الملكوت! سأتناول الأسئلة التي قُدِّمَت وأجاوب عليها من منظور كاثوليكيّ، عقائدي وتاريخي، وباختصار شديد، لأن بعض الأسئلة تحتاج الى وقت طويل للشرح. المقالة تستغرق من وقتك الثمين 5 دقائق فقط.
ب- الأسئلة المطروحة مع الأجوبة باقتضاب
1- يسوع التاريخي :الأناجيل الأربعة، هل يوجد نص واضح وصريح يُنْسَب إلى يسوع يقول: أنا الله فاعبدوني؟
في العموم تأخُذُني هذه الأسئلة الى بدايات المسيحيّة والصراع مع الوثنيّين ومن ثمّ اليهود والمسلمين حتّى يومنا هذا. هذه الأسئلة الشعبيّة المتداولة لدى أغلبيّة المسلمين، حتّى المثقفين من بينهم، تُخفي جهلًا واضحًا بالكتاب المقدّس، وأحكامًا مسبقة، على أساس أنّه لا تُوجد آية صريحة حيث يَنسب السيّد الرب يسوع المسيح الألوهيّة الى نفسه. هو الذي وُلِدَ في مغارة وعاش فقيرًا كل حياته ومات على الصليب كأنّه غريب عن بلده. بدايةً، لكن هل يعترف صاحب السؤال بقُدسيّة الإنجيل؟! إِذا الجواب لا فلا نكلّف نفسنا عناء البحث. وإذا كان الجواب نعم فالمسيح قالها صريحًا في أثناء محاكمته [فَقَالَ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ»(مر 14/ 62)]. إضافةً الى ما تقدّم فإنَّ السبب الرئيسيّ للحُكم عليه بالموت أنّه جعل نفسه إلهًا. وآيات كثيرة في الإِنجيل، حتى لا تطول المقالة، تثبت بشكلٍ قاطع أنّ يسوع الناصريّ هو ابن الله الآتي ليخلّص العالم من خطاياه. تجدها بسهولة بعملية بحثٍ بسيطة على تطبيقات الذكاء الإِصطناعي، كما وُجدت أسئلته.
2- تجسّد الإله: هل نعبد إنسانًا؟
الإله غير المـَوْصوف، الغامِضُ وَصفُه، غير المـَنظور، غير المـُدرَك، الأقنوم الثّاني من الثّالوث القدّوس، صار إنسانًا في صورة الإله - الإنسان، الرّبّ يسوع المسيح، وحَلَّ بين النّاس على الأرض (القدِّيس غريغوريوس بالاماس).
3- تسمية يسوع: "من الذي أطلق عليه اسم يسوع؟ كيف أعرف أن يسوع هو الله؟ من أطلق عليه يسوع الناصري؟
رئيس الملائكة لدى تبشيريه السيِّدة العذراء حمل معه الإسم الإلهيّ: "يسوع" (لو 1/ 31). في الآية التي تَلِي يقول رئيس الملائكة: فيكون عظيمًا ويدعى ابن الله العليّ ويعطيه الربّ الإله عرش أبيه داوود، ويملك على بيت يعقوب الى الأبد، ولا يكون لمـُلكِهِ نهاية (لو 1/ 32 – 33).
4- يسوع واليهوديّة: هل نعبد إلها يهوديًّا؟
الرب يسوع أتى من السيّدة العذراء تحقيقًا لنبؤات العهد القديم والتي وعد بها الله أن يُرسل مُخلِّصًا لشعبه إسرائيل ولكل العالم من سبط يهوذا. هذا وعد الله وقد حقّقه. الخلاص من اسرائيل لكنّه متاح لكل البشر والى أقصى الأرض. الرب يسوع هو الإله الواحد الأحد الصمد لكل الذين يؤمنون به أو لا يؤمنون. هو الإله الحقيقي وآخر سواه لا نعبد.
5- الفرق بين يسوعين: ما الفرق بين يسوع اليهودي ويسوع المسيحيّ؟
لا فرق. هو نفسه المخلّص الوحيد للجنس البشريّ لليهود أولًا ثم للأمم. لا داعي للقلق. كأن وراء السؤال عنصريّة مقيتة تجاه اليهود. المسيحيّ لا يستطيع تحمل كلفة ثقافة الكراهيّة تجاه أحد. للتذكير: "أحبّوا أعداءكم" (متّى 5/ 44).
7- طبيعة الدين: كمسيحيّ، هل تتبع دينا مستقلا أو فرقة يهوديّة تطورت مع الزمن؟
المسيحيّة ديانة مستقلّة تمامًا عن اليهوديّة منذ بداياتها وتمّ تثبيت هذا الأمر في المجامع المسكونيّة اللاحقة قانونيًّا ولاهوتيًّا. حتى عيد الفصح المسيحي يختلف بالتوقيت والجوهر عن الفصح اليهودي. لكن مع الإعتبار الكامل للعهد القديم والشريعة المـُوسَوِيَّة.
8- ناموس وشريعة :هل جميع المسيحيين يعبدون إلهًا يهوديًّا حاليًّا؟
تمّ الإجابة عن هذا السؤال ولا داعي للتكرار.
9- مخالفة الشريعة: لماذا استبدلتم يوم السبت بيوم الأحد؟
لأنّه يوم القيامة وهو اليوم الثامن وفيه اكتمال الخلق والخليقة.
10- الناموس واللعنة: لماذا تعلِّم الكنيسة أن الناموس أصبح لعنة وأن الإيمان بيسوع وحده كاف؟
لأن الرب يسوع هو واضع الشريعة وله أن يغيرها أو يصحِّحهَا كما يشاء. إلّا أنّه اختار الطاعة للشريعة وللقوانين الوَضعِيَّة في الإمبراطوريّة الرومانيّة تواضعًا منه. إلّا أنّه أعلى شأن الإنسان والمحبّة فوق كل شريعة: "إذهبوا وتعلّموا ما معنى أريد رحمةً لا ذبيحة" (متّى 9/ 13). من ناحية التعليم الكنسيّ الكاثوليكيّ الشرقيّ، الشريعة هي لعنة لأنها قيّدت الإنسان بممارسات وموانع لا أصل لها بالوصايا العشر التي هي الناموس الحقيقيّ. أمّا الإيمان بالربّ يسوع فهو الأساس. لكن عند إخوتنا البروتستانت عقيدة (sola fidei) أيّ الإيمان وحده يكفي. مع ذلك وعند جميع المسيحيين فأعمال المحبّة والرحمة مطلوبّة وبإلحاح لكونها دليل الإيمان.
11- من المـُأكَّد ومن المـُخطئ بين يسوع التاريخيّ ويسوع الشريعة؟
راجع الإجابة السابقة.
12- بولس الرسول: كيف تثق بشخص كان يضطهد المسيحيّين؟ لماذا نتبع دينًا أسَّسَه بولس الطرسوسيّ وليس يسوع الناصريّ؟
أنا أؤمن وأثق بالروح القدس المـُكَمِّل نقص البشر والواضع الإنجيل والمرسل المبشرين والتلاميذ. ومن أنا لأدين الناس على أخطائهم وخطاياهم؟؟؟ وهل هناك إنسان من دون خطأ أو خطيئة؟!
13- الختان والشريعة: هل هناك من صراع موجود بين بولس وتلاميذ المسيح؟ ولماذا يتم إخفاء هذا الموضوع عن الجمهور؟
صحيح كان هناك اختلاف في وجهات النظر بالنسبة للختانة بين بولس وبطرس والتلاميذ. والواقعة مذكورة بالتفصيل الممل في سفر أعمال الرسل (15/ 1 -35). وانتهت بعقد مجمع أورشليم الذي فَصَل في الموضوع وانتهى الأمر. إلّا أنّ الخلافات كانت موجودة منذ بداية الخليقة (قايين وهابيل على سبيل المثال لا الحصر) واستمرّت مع السيّد الربّ ولا زالت حتى يومنا هذا. وعمومًا لا يوجد في المسيحيّة أمرٌ مخفيّ أو متحفّظ عليه بعكس الآخرين.
14- الصراع مع التلاميذ: لماذا اختلف تلاميذ المسيح مع بولس إذا كان يسير على خطى يسوع؟
لأنهم بشر والبشر يخطأون. وفي أحسن الأحوال كل إنسان يرى ويفسّر أقوال المسيح بحسب ما يؤتيه الروح القدس. ومن قال أن القدّيسين والأنبياء معصومون؟
15- مجمع نيقية: يقول التاريخ أن يسوع تم تأليهه بالتصويت في مجمع نيقية عام 325م. بقرار سياسيّ من قسطنطين؟ هل معبودك تم انتخابه بالتصويت؟
غير صحيح أنّ التاريخ قال ذلك وهذا تحريف للتاريخ. في مجمع نيقية 325 م. تمَّ حسم هرطقة آريوس القائل بأنّ يسوع المسيح هو ابن الله بالتبني وهو خليقة وليس ابن. هنا الآباء القدّيسون وبإلهام الروح القدس توافقوا بالإجماع على أنّ هذا الرأي هرطقة واتخذ القرار بإنزال الحُرْم بحق آريوس وأتباعه والتأكيد على أنّ الربّ يسوع هو ابن الله الحيّ. ولذلك وضعوا قانونًا وأدمجوه في الليترجيّا الإلهيّة لكي يصبح تعليم الكنيسة هو صلاتها. والآن نُسمِّيه :قانون إيمان نيقية – القسطنطينيّة. هذا باختصار شديد. أمّا الإمبراطور قسطنطين وبصفته حامي الكنيسة، والساهر على الإيمان المستقيم، دعا الى عَقد هذا المجمع ونظّمه وساعد في تهدئة النفوس من أجل التوصّل الى النتائج المرجوّة. وأمّن تطبيق قرارته حفاظًا على السلام في الإمبراطوريّة لأن لا فصل بين اللاهوت والسياسة.
16- صلب يسوع: من هو الذي صلب يسوع؟
كل الناس ولغاية اليوم اشتركت وتشترك في صلب المسيح. اليهود، الأمم، المسيحيون ...
17- الأمومة الإلهيّة: من هي أم الله في المسيحية؟
هي مريم العذراء أم السيّد المسيح، والدة الإله كما أعلنها مجمع أفسس 425 م. وهي سيّدة العالمين كما يقول عنها القرآن الكريم ويكفي بهذا أيّ لقب.
18- مريم العذراء: من هي مريم العذراء بالنسبة للمسيحيّة؟
راجع الردّ السابق.
19- النسخ الأصلية: أين توجد النسخ الأصليّة للكتاب المقدس؟
لا توجد نسخة أصليّة للكتاب المقدّس. لدينا مخطوطات، وهي نسخة عن الأصليّة، وموجودة في مكتبة الفاتيكان وفي أماكن أخرى وهي معروضة على وسائل التواصل. وهذا أمرٌ طبيعيّ. لأن الإنجيل كُتِبَ على أوراق بَردَى. وهذه النوعيّة من الأوراق عُمرها الأقصى 50 سنة وسرعان ما تَتلَف. وهنا أسأل: هل هناك من نسخة أصليّة للقرآن؟!
20- تحريف النصوص: عقيدتك تقوم على آية التثليث. إذا لم تكن آية التثليث موجودة، هل يعني ذلك أن عقيدتك غير موجودة؟
كلّا. بالمطلق، لا تقوم العقيدة المسيحيّة على آية واحدة فقط لا غير، وغيابها ينسف العقيدة. العقيدة تقوم على مجمل الكتاب المقدس، على تعليم الآباء القدِّيسين والمجامع المسكونيّة وعلى تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة من خلال الرسائل الرسميّة للباباوات وعلى التقليد المقدّس. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. (متى 28/ 19).
ج- خلاصة
على أحبائنا عدم الردّ على الإستفزاز الحاصل في الحلقة. وعلى الغيورين على الإيمان عدم الظهور مع هذا الإنسان لأن الغاية من الحلقة هي إزدراء الدين المسيحيّ وليس النقاش العِلميّ الهادئ واحترام المعتقدات. وعلى أحبائنا أيضًا تنمية وتغذية إيمانهم بالحضور الى الكنيسة والإستماع جيدًا الى الأحاديث الروحيّة والإيمانيّة وعدم الخوف من الغوص في المسائل العقائديّة. في المجمل، علينا أن نأخذ دعوتنا كمسيحيّين على مَحمَل الجَدّ كما نَقَلها إلينا آباؤنا القدّيسون ومعلّمو الكنيسة ودفع ثمنها غاليًّا ربّي والهي ومخلّصي يسوع المسيح على الصليب.