اختار رئيس الحكومة نواف سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يضع مطلبين لبنانيين في جملة سياسية واحدة: انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية من جهة، وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها من جهة أخرى. ثم انتقل من تحديد الأهداف إلى المشكلة التي عطلت الوصول إليها، مطالبًا بترجمة الإطار الثلاثي إلى إجراءات ملموسة وفق جدول زمني واضح وآلية للتحقق من التنفيذ.
ليست الإضافة هنا في إعلان حصرية السلاح أو المطالبة بالانسحاب، فكلاهما حاضر منذ أشهر في الموقف الرسمي وفي الإطار الموقع في 26 حزيران. ما يستحق التوقف عنده هو محاولة نقل النقاش من الالتزامات العامة إلى ترتيبها وتبادلها وقياسها زمنيًا. فالإطار ينص أصلًا على عملية "متبادلة ومتسلسلة" بشروط واضحة، تربط استعادة الدولة سلطتها والتحقق من نزع سلاح الجماعات غير التابعة لها بإعادة الانتشار الإسرائيلي التدريجي خارج الأراضي اللبنانية.
هنا تظهر المشكلة التي بقيت بلا حل كامل منذ توقيع الإطار: كل طرف يستطيع أن يجد في النص سببًا لانتظار الطرف الآخر. إسرائيل تستطيع القول إن انسحابها مرتبط بتقدم يمكن التحقق منه في حصر السلاح، فيما يستطيع لبنان التمسك بأن استكمال بسط سلطة الدولة على أراضيه يتطلب انسحاب القوات الإسرائيلية منها وتمكين الجيش من الانتشار. وبين الشرطين، يمكن لمسار يفترض أنه متبادل أن يتحول إلى سباق على إثبات من لم ينفذ أولًا.
فهل يستطيع مطلب سلام بجدول زمني وآلية تحقق أن يفك هذه العقدة، أم أن الخلاف الحقيقي يبدأ تحديدًا عند محاولة وضع الجدول؟
المشكلة في ترتيب الالتزامات
لا يحتاج لبنان وإسرائيل إلى اتفاق جديد كي يعرف كل منهما ما هو مطلوب في نهاية المسار. الإطار حدد الوجهة منذ حزيران: استعادة الدولة اللبنانية سلطتها، حصر السلاح، انتشار الجيش، وانسحاب إسرائيلي تدريجي. الناقص هو تحديد العلاقة العملية بين هذه العناصر.
تكشف صياغة الإطار سبب الحساسية. فالنص لا يقول إن الانسحاب الإسرائيلي يسبق حصر السلاح، ولا إن لبنان ينهي ملف السلاح كاملًا ثم تبدأ إسرائيل انسحابها. هو يعتمد عملية متبادلة ومتسلسلة، ويستخدم "المناطق التجريبية" لاختبارها، بحيث يتولى الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية فيها بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها، فيما يجري الانتقال عبر إعادة انتشار إسرائيلية ونشر لبناني على مراحل.
يخفف هذا التصميم نظريًا مشكلة "من يبدأ أولًا"، لكنه ينقلها إلى مستوى أكثر تعقيدًا، يتعلق بحجم ما هو مطلوب من الطرف الأول قبل أن يصبح تحرك الطرف الثاني مستحقًا. فإذا لم تكن لهذه العلاقة مقاييس ومواعيد محددة، يمكن لكل مرحلة أن تصبح نقطة توقف جديدة. وبهذا المنطق، لا يعود الخلاف على الهدف النهائي، وإنما على تعريف الإنجاز الكافي للانتقال إليه.
السيادة لا تُجزّأ.. فماذا عن خطواتها؟
يقدم سلام مفهوم السيادة باعتباره الرابط بين المطلبين لا المقايضة بينهما. ففي كلمته أمام مجلس النواب في 15 أيلول، قال إن السيادة تقتضي انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سيطرة الدولة بقواها الذاتية والعمل على حصر السلاح بيدها. وأعاد الفكرة نفسها من نيويورك حين شدد على أن السيادة "لا تتجزأ".
لهذه الصيغة وظيفة سياسية مهمة داخليًا وخارجيًا. فهي تعيد وضع حصرية السلاح داخل تعريف الدولة لسيادتها، بدل حصرها في كونها مطلبًا إسرائيليًا أو أميركيًا يُنفذ مقابل الانسحاب. في الوقت نفسه، تمنع تحويل استمرار الاحتلال الإسرائيلي إلى حجة لتعليق الالتزام اللبناني إلى أجل غير محدد.
لكن عدم تجزئة السيادة لا يعني أن تطبيق متطلباتها يمكن أن يحدث دفعة واحدة. فالواقع الميداني يفرض مراحل، وهنا تحديدًا تظهر خطورة التسلسل. فإذا تحولت المرحلة الأولى إلى شرط دائم للثانية، فقد ينتهي المسار إلى تنفيذ جزء من مفهوم السيادة وتأجيل الجزء الآخر. لذلك ليست المسألة أن لبنان يريد الأمرين معًا؛ السؤال هو كيف يمنع أن يصبح أحدهما شرطًا مفتوحًا أمام الآخر.
التبادلية ليست تزامنًا
عمليًا، تبدو كلمة "التبادلية" جذابة سياسيًا لأنها توحي بأن كل خطوة ستلقى مقابلًا. لكن الإطار لا يبني العملية على تبادل آني بين إجراء وإجراء، وإنما على تسلسل مشروط بالتحقق. وهذه مسافة مهمة بين المفهومين.
في النموذج الأكثر وضوحًا، يعرف الطرفان مسبقًا أن خطوة محددة هنا تطلق خطوة محددة هناك خلال مهلة معلومة. أما عندما ترتبط الحركة بتقييم مستوى الإنجاز، فإن السؤال يصبح: من يقرر أن الشرط تحقق؟ وما معيار النجاح؟ وهل يكفي الخلاف على نتيجة التحقق لتجميد الإجراء المقابل؟
لهذا يكتسب طلب سلام "جدولًا زمنيًا واضحًا" معنى يتجاوز استعجال التنفيذ. فالجدول، إذا اقترن بشروط قابلة للقياس، يحوّل التبادلية من مبدأ سياسي إلى علاقة بين التزامات: ماذا ينفذ لبنان؟ ماذا يقابله؟ خلال أي مدة؟ وماذا يحدث إذا تأخر أحد الطرفين؟
وكان سلام قد أقر أمام النواب بأن الإطار يتضمن إجراءات تقود إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار للجيش اللبناني، لكنها جاءت "من دون روزنامة". من هذه الزاوية، قد تكون الروزنامة أهم من إضافة تعهدات جديدة. فالمشكلة لم تعد نقصًا في التعهدات، وإنما خطر إبقائها قابلة لقراءات مختلفة في كل محطة.
التحقق ليس تفصيلًا تقنيًا
إذا كانت الروزنامة تحدد متى يُفترض أن تقع الخطوة، فإن آلية التحقق تحدد ما إذا كانت وقعت أصلًا. ولهذا لا يمكن التعامل معها بوصفها بندًا تقنيًا محايدًا، لأن نتيجة التحقق تصبح عنصرًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت شروط الانتقال إلى المرحلة التالية قد تحققت أم لا.
ينص الإطار على آليات تحقق وعلى دور أميركي في دعم العملية، كما تقوم "المناطق التجريبية" نفسها على الانتقال بعد التحقق من نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية غير التابعة للدولة. عند هذه النقطة يصبح تعريف "التحقق" مسألة سياسية بقدر ما هو ميداني: هل المطلوب التأكد من غياب سلاح ظاهر؟ تفكيك بنية عسكرية كاملة؟ السيطرة الفعلية للجيش؟ ومن يحسم الخلاف إذا قالت بيروت إن المهمة أنجزت بينما اعتبرت إسرائيل أنها لم تكتمل؟
هذا يفسر جانبًا من إصرار لبنان على عدم ترك فراغ بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". سلام تحدث عن صيغة دولية تستمر في وظائف المراقبة والإبلاغ والاتصال، على أن يكون دورها مكملًا لتنفيذ الإطار الثلاثي. أهميتها هنا ليست فقط حفظ الهدوء في الجنوب، وإنما توفير طرف يستطيع إنتاج وقائع موثقة تقلل مساحة الادعاء المتبادل.
مع ذلك، لا تلغي أفضل آلية تحقق الخلاف السياسي إذا كانت معاييرها غير متفق عليها. يمكن للرقابة أن تقول ماذا حدث على الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد مقدار ما يكفي للانتقال سياسيًا إلى المرحلة التالية. لذلك يحتاج المسار إلى أمرين معًا: جهة تتحقق، وقواعد مسبقة تحدد ماذا يترتب على نتيجة التحقق.
واشنطن أمام اختبار مختلف
تضع هذه العقدة واشنطن في موقع مركزي، بوصفها راعية الإطار والوسيط الذي أُسند إليه دعم المسار وتسهيل التواصل بين الطرفين. فالدور الأميركي المطلوب في المرحلة المقبلة لا يقتصر على دفع الحكومة اللبنانية نحو حصر السلاح أو مطالبة إسرائيل بالانسحاب، وإنما في ربط المسارين بطريقة تمنع أي طرف من تحويل التأخير إلى أمر واقع، أو الشرط المؤقت إلى عائق دائم.
وتمنح هذه النقطة لقاءات سلام الأميركية بعد نيويورك وزنًا يتجاوز حشد الدعم السياسي. إذا أراد لبنان تطوير الصيغة التي طرحها أمام الأمم المتحدة، فالمطلوب ليس تأكيد المبادئ مرة جديدة، وإنما الاتفاق على ما يطلق كل مرحلة، وما ينهيها، وما الذي يقابلها على الجانب الآخر.
بعد ثلاثة أشهر على توقيع الإطار، لم تعد المشكلة في نقص العناوين الكبرى ولا في غياب الالتزامات المعلنة. ما ينقص المسار هو القاعدة التي تربط كل خطوة بما يليها، وتمنع أي طرف من تحويل التأخير إلى حق مكتسب أو الشرط المؤقت إلى عائق دائم. هنا تحديدًا تصبح الروزنامة وآلية التحقق جزءًا من جوهر التسوية، لا من تفاصيلها الإجرائية.
فإذا أمكن تحويل "التبادلية" إلى التزامات محددة بمهل ومعايير معروفة، يصبح التدرج وسيلة للخروج من الجمود. أما إذا بقي الانتقال من مرحلة إلى أخرى رهين تقدير سياسي مختلف عليه، فقد لا تحل الصيغة عقدة "من يبدأ أولًا"، وإنما تنقلها إلى مستوى جديد: من يحدد أن المرحلة انتهت، وأن على الطرف الآخر أن ينفذ ما عليه؟