لا شك ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يتمتع بـ"مظلة محصّنة" وفّرها له الرئيس الاميركي دونالد ترامب، تقيه مفاعيل القرارات والمواقف القضائية والدبلوماسية والسياسية الدولية التي تهدده معنوياً. ولعل وجوده في نيويورك لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان أحد الأمثلة على هذه الحماية. وكان دخوله إلى المدينة قد أثار مسألة اعتقاله، بعدما أعلن عمدة نيويورك زهران ممداني خلال حملته الانتخابية نيته توقيفه استناداً إلى مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن يقدم لاحقاً تفسيرات قانونية مختلفة بشأن صلاحياته في هذا المجال.. لكن الحماية الأميركية لم تقتصر على الجانب القانوني أو السياسي، بل امتدت إلى المستوى الدبلوماسي ايضاً. وفي المقابل، غادر ممثلو 77 دولة قاعة الجمعية العامة لدى اعتلاء نتنياهو المنصة، وبينهم ممثلون عن دول تربطها بالولايات المتحدة علاقات وثيقة، في رسالة كان لها وقعها المؤثر.
المفارقة تكمن في ان نتنياهو وجد نفسه، وللمرة الاولى ربما، شبه معزول دبلوماسياً، فاختار التبجح بالدعم الاميركي الذي يملكه والذي لا يزال يسمح له باجراء مناورات سياسية واسعة، فتطاول على المنسحبين واصفاً اياهم بـ"الجبناء"، وتطاول حتى على الحاضرين حين نصّب نفسه مسؤولاً عن القاعة عبر دعوة من يريد الى المغادرة !! ولم تقف وقاحة المسؤول الاسرائيلي عند هذا الحد، بل اعلن افتخاره بعملية "البيجر" التي نفّذها في لبنان وادت الى استشهاد الآلاف من بينهم بعض المدنيين، فتعالى بهذا النجاح الاستخباراتي والعسكري، ولكنه نسي انه نجح ايضاً بارتكاب جريمة ستشكل حتماً سابقة في تاريخ الصراعات من خلال استهداف المقاتل والمدني على حد سواء، وتخرق العديد من القوانين والاعراف والاتفاقات الدولية، من دون حسيب او رقيب، او حتى تداعيات على المنفّذين.
هذا الامر ان دلّ على شيء، فعلى ان الهجوم الشرس الذي شنّه نتنياهو في الامم المتحدة -التي استقبلته فيما هو لا يفوّت فرصة لطعنها- كان شعوراً منه بأن مظلة ترامب محدودة ويمكنها حمايته من نواحي معدودة فقط، كما يعني ان ظهره اصبح الى الحائط ولم يعد لديه ما يخسره، وهو يلعب كل اوراقه مع بدء العد العكسي للانتخابات الاسرائيلية التي يطمح ان تبقيه في منصبه وتطيل عمر حياته السياسية وتبعد عنه كأس الملاحقات القانونية، الداخلية منها والخارجية.
لذلك، لم يجهد نتنياهو نفسه لتقديم طرح او فكرة للايحاء على الاقل انه يرغب في السلام والاستقرار في المنطقة، بل خصص كل كلمته لتمجيد نفسه والتهجم على اعدائه اينما كانوا، وارسال رسالة الى الاسرائيليين مفادها انه سيسهر على حمايتهم من ايران وحلفائها اذا ما استمر في منصبه، مع كل التضليل والكذب الذي يحمله هذا الكلام، لانه من دون الاميركيين لا يمكنه حماية احد، ولو انه طبعاً يمكنه الحاق الاذى بالآخرين، ولكنه يعمد ايضاً الى ايذاء الاسرائيليين بشكل غير مسبوق، وبما لم يعهده الاسرائيليون منذ عقود طويلة من الزمن.
دخل نتنياهو الى الامم المتحدة، وهو يعتقد انه دخل الى حلبة مصارعة، وأسقط من خطابه الكثير مما تقتضيه لغة الدبلوماسية، واستبدله بهجوم مباشر على خصومه وبخطاب يعكس رؤيته للصراع، تأكيداً على عقليته المجرمة التي لا تفسح المجال امام اي فرصة للسلام والامن والاستقرار حتى ولو كان للاسرائيليين انفسهم.
قد تحمي مظلة ترامب هذا الرجل من بعض الامور، ولكنها غير قادرة على حمايته من وقائع لا بد ان دينه يوماً ما، او من حقيقة مفادها انه سيركب قطار العديد ممن سبقوه وحاولوا الوقوف في وجه العالم، فنجحوا لفترة قبل ان يسقطوا بالضربة القاضية.