ثمّة نسخة من ​لبنان​ لا تزال تبدو، على نحوٍ مخادع، طبيعية.

المطاعم ممتلئة. الطرق مزدحمة. المغتربون يعودون في الصيف. الشركات لا تزال تعمل، والعائلات لا تزال تحتفل، والحياة تمضي في مجراها.

لكن خلف هذا المظهر الهشّ من الطبيعية، يبرز لبنان آخر: بلدٌ لا يمكن قياس واقعه بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، ولا استيعابه من خلال علامات التعافي العابرة.

إنه بلدٌ صارت فيه الحياة العادية امتحانًا يوميًا للإذلال.

ولعلّ هذا الفقدان للكرامة لا يظهر في مكانٍ أوضح مما يظهر في ​القطاع المصرفي​. فأشخاص أمضوا عقودًا في ادّخار أموالهم يكتشفون اليوم أن ودائعهم باتت، عمليًا، بعيدة المنال في اللحظة التي هم بأمسّ الحاجة إليها. إنهم مضطرون إلى التوسّل للوصول إلى مدّخراتهم الخاصة كي يسدّدوا قسط تأمين، أو فاتورة مستشفى، أو يشتروا دواءً. فالمال الذي كان يُفترض أن يمنحهم الأمان أصبح مصدرًا للإذلال.

يحسب الآباء والأمهات ما يمكنهم تحمّله قبل أن يضعوا الطعام على المائدة. وعلى العائلات أن تختار بين الوقود والكهرباء والتدفئة وسائر الحاجات الأساسية. وقد تلتهم فاتورة المولّد راتبًا كاملًا. وأصبحت الرسوم الجامعية وكلفة التنقّل باهظة. أما نفقات المدرسة التي كانت عادية يومًا ما فقد صارت خارج متناول كثير من الأسر.

​الطبقة الوسطى​، التي كانت يومًا من الركائز الأساسية للبلد، تتآكل تدريجيًا. المدّخرات التي تراكمت على مرّ السنين تُنفَق. الأصول تُباع. والعائلات تسحب من احتياطاتها المتبقية لتموّل الحياة اليومية بدل الحاجات الاستثنائية.

وتبدو النتائج مؤلمة بوجه خاص للشباب. فالشهادة الجامعية لم تعد تضمن مسارًا مهنيًا قابلًا للحياة. ويقبل الخريجون برواتب لا تمتّ بصلة تُذكر إلى السنوات التي كرّسوها لتحصيلهم العلمي. وكثيرون ينتهون إلى الرحيل، لا لأنهم يرغبون في ذلك، بل لأن البقاء أصبح غير عقلاني اقتصاديًا. وهكذا لا يخسر البلد أشخاصًا فحسب، بل يخسر أيضًا ما استُثمر في تكوينهم.

وحتى من يبقون في خدمة الدولة يعانون. فثمّة جنود يتولّون أعمالًا مسائية لإعالة أسرهم. وهذا ليس مجرّد صعوبة شخصية، بل دليل على مدى عمق تغلغل ​الأزمة الاقتصادية​ في المجتمع.

ويروي القطاع الصحي القصة نفسها، وبصورة أكثر إثارة للقلق. فالمرضى يمدّدون استعمال وصفاتهم الطبية، ويقلّصون أدويتهم، وفي بعض الحالات يعرّضون صحتهم للخطر لأن العلاجات أصبحت باهظة الكلفة.

ويمتدّ الإخفاق نفسه إلى التقاعد. فنظام تعويضات نهاية الخدمة في لبنان يترك كثيرًا من المتقاعدين أمام مبلغ رمزي بالكاد بعد عقود من العمل، لا يكفي لمواجهة كلفة المعيشة، فضلًا عن تأمين الطمأنينة في الشيخوخة. ولا يجوز لبلدٍ أن يطلب من مواطنيه تكريس حياة كاملة للمساهمة في اقتصاده ثم يتركهم عرضة للهشاشة حين لا يعودون قادرين على العمل.

وإلى ما وراء الصعوبات الاقتصادية، ثمة واقع آخر لا يقلّ ضررًا: تآكل الدولة نفسها. فالمواطنون يجدون صعوبة في الحصول على ​الخدمات العامة​ الأساسية التي ينبغي أن توفّرها حكومة فاعلة، فيما تعمل المؤسسات الحيوية بقدرات محدودة وموارد غير كافية ومهل غير مقبولة.

والأكثر إثارة للقلق هو إضعاف ​القضاء المستقل​ والفعّال. فحين لا يعود بإمكان المواطنين الاعتماد على المحاكم لحماية حقوقهم، وفرض احترام العقود، وإحقاق العدالة بحياد وضمن مهلة معقولة، تبدأ الثقة بالدولة بأكملها بالتّلاشي.

وبالنسبة إلى عدد متزايد من اللبنانيين، لم يعد السؤال كيف يحسّنون مستوى معيشتهم، بل كيف ينجون.

لكن ما يزداد صعوبة على التجاوز هو ​فقدان الثقة​.

فحين يبدأ الناس بالقول إنهم كانوا يعيشون أفضل خلال الحرب، رغم عنف تلك السنوات وانعدام الأمان فيها، لا ينبغي أن يُرفض هذا القول باعتباره مجرّد حنين. إنه شاهد على عمق تدنّي التوقعات.

يتوقفون عن الاعتقاد بأن المؤسسات تحميهم.

يتوقفون عن الاعتقاد بأن للوعود السياسية معنى.

وفي النهاية، يتوقفون عن الاعتقاد بأن بلدهم قادر على التغيّر.

عند هذه النقطة تحديدًا تتحوّل الصعوبات الاقتصادية إلى تهديد للاستقرار الاجتماعي.

لا تستطيع الدولة أن تتجاهل هذا الواقع.

ومع ذلك، تبدو الطبقة السياسية اللبنانية في أغلب الأحيان وكأنها تعيش في واقع مختلف. فالحسابات السياسوية مستمرة. وتُظهر مناقشة الثقة بالحكومة الأخيرة في مجلس النواب بوضوح الأولويات الخاطئة لدى النواب. والمؤسسات تتحرك ببطء. والإعلانات تحلّ محل القرارات. واللجان تحلّ محل التنفيذ.

لا يحتاج لبنان إلى بيان جديد يعلن أن الوضع صعب. فالجميع يعرف ذلك.

إنه يحتاج إلى استجابة وطنية حقيقية لتآكل القدرة الشرائية، وتدمير الطبقة الوسطى، ورحيل شبابه، وعجز العائلات المتنامي عن تلبية حاجاتها الأساسية.

وقبل كل شيء، عليه أن يستعيد ما لا تستطيع الإحصاءات قياسه: الإيمان بأن الجهود لا تزال ذات معنى.

فالخطر الحقيقي ليس أن ينهار لبنان فجأة. الخطر الحقيقي أن يواصل التدهور ببطء حتى يصبح الانهيار هو الوضع الطبيعي الجديد.

لا يزال الوقت متاحًا لمنع ذلك. لكن الوقت هو بالضبط ما يهدره لبنان.

ليست هذه نبوءة كارثة. إنها توصيف لبلدٍ يقترب من حدود ما يستطيع شعبه تحمّله.

يمكن للحكومة أن تؤجّل قرارًا. ويمكن لسياسي أن يؤجّل إصلاحًا. ويمكن لمجلس النواب أن يؤجّل قانونًا.

لكن العائلة لا تستطيع أن تؤجّل إلى ما لا نهاية العشاء أو الدواء أو الأقساط المدرسية أو الكهرباء أو الكرامة.

وفي لحظة ما، يقدّم الواقع الفاتورة.

ولبنان يقترب من تلك اللحظة.

اللحظة التي لن يكون بعدها رجوع إلى الوراء.