فيما يمرّ لبنان بأزمةٍ معيشيّةٍ مُزمنةٍ، باتت تُنذر بـ"الويل والثّبور وعظائم الأمور"... تتكشّف يومًا بعد يومٍ فضائح الفساد المستشري على طول البلاد وعرضها، وصولًا إلى الشأن التربويّ الرسميّ...
وفي آخر الفصول، جنوح إحدى الثانويّات الرسميّة للبنات، في المتن الشماليّ، إلى الاستفادة من قرار دمج ثانويّة البنين بها، لتفرض على الطلّاب المسجّلين من الذكور زيًّا مدرسيًّا بقيمة 70 دولارًا عن كلّ متعلّمٍ، هو كناية عن بنطالٍ وقميصٍ عليهما رمز الثانويّة تلك.
قد يُفهَم قرارٌ إداريٌّ كهذا، على مضضٍ، في ظروفٍ اقتصاديةٍ طبيعيةٍ، وإذا ما أتى في سياقٍ قانونيٍّ وشفّافٍ...
أمّا أن يأتي في ظلّ الظروف التي نعيشها اليوم، في لبنان، فهو يُظهر وكأنّ من اتّخذته تعيش في كوكبٍ آخر من الفضاء!
صحيحٌ أنّ وزارة التربية كانت قد حدّدت في القرار الوزاريّ رقم 167 لسنة 2023، وهو القرار المنظّم للزيّ المدرسيّ الموحّد، داخل المدارس الرسميّة والخاصّة، مؤكّدةً -حينها- "ضرورة التزام كلّ المدارس بأحكام هذا القرار الوزاريّ" الهادفِ إلى "تحقيق الانضباط داخل العملية التعليمية"، غير أنّ الوزارة راعت في تطبيق القرار "حقوق الطلّاب وأولياء الأمور"!
وصحيحٌ أنّ الوزارة تعتبر الزيّ المدرسيّ "أحد عناصر تنظيم البيئة التعليمية، و(هو) يُساهم في تحقيق المظهر الموحّد بين الطلّاب"، إلّا أنّ تطبيق ذلك يجب أن يتمّ وفق ضوابط واضحةٍ، تمنع تحميل الأسر أعباءً إضافيةً، أو فرض جهاتٍ محدّدةٍ لشراء الملابس المدرسيّة منها، وكذلك منع إجبار أولياء الأمور على شراء الزيّ المدرسيّ من مورّدٍ محدّدٍ!
وعليه، فإنّ اختيار مكان الشراء يظلّ حقًّا أصيلًا لوليّ الأمر، شرط الالتزام بالمواصفات والشكل المعتمد من المدرسة.
كما حظّرت الوزارة وضع تصميماتٍ أو مواصفاتٍ خاصّةٍ بالزيّ، تؤدّي إلى قصر توفيره على جهةٍ واحدةٍ، أو عددٍ محدودٍ من الموردين، بما يضمن إتاحة الفرصة أمام أولياء الأمور لشراء الزيّ من أيّ مكانٍ مناسبٍ لهم.
وبالتالي، يمكن للمدرسة وضع شعارها الخاصّ على الزيّ المدرسيّ، شرط توفير الشعار في شكلٍ مستقلٍّ، حتّى يتمكّن وليّ الأمر من شرائه وتثبيته على الملابس، من دون أن يصبح ذلك وسيلةً لاحتكار بيع الزيّ من جهةٍ معيّنةٍ.
وخلافًا لكلّ ما ورد آنفًا... فإنّ الثانويّة المشار إليها، من دون التسمية، تحاشيًا للتشهير بها، قد تعاقدت مديرتُها مع مصنعٍ للألبسة يُجهّز لها الزيّ المدرسيّ، وبواسطته حصرًا يُفرَض على المتعلّم أن يشتريَ زيّه المدرسيّ.
وما يزيد من الشكوك أنّ الموازنة المدرسيّة لا تلحظ بندًا تحت عنوان "الزيّ المدرسيّ"، ما يعني بالتالي أنّ "الأرباح" من عائدات بيع هذه الملابس لا تظهر في الموازنة المدرسيّة، ولا يُعرَف كيف تذهب!
إنّه قرارٌ أقلّ ما يمكن أن يُقال فيه إنّه في غير محلّه، في حين تعمد وزارة التربية إلى إلغاء ثانويّاتٍ، ودمجها بثانويّاتٍ أُخرى، بسبب "تعثّرها"، ولكن من دون أن تسأل: لماذا يُحجم اللبنانيّون، وعلى رغم ضيق حال السواد الأعظم منهم، عن تسجيل أبنائهم في المدارس والثانويّات الرسميّة؟
بالطبع إنّ "فضيحة" الزيّ المدرسيّ هذه ليست السبب الوحيد للإحجام، غير أنّها بالطبع وجهٌ من وجوه الفساد في الفضاء التربويّ الموبوء.