انتهت الجمعية العامة الـ81، وبقي العالم واقفًا أمام أسئلته القديمة... متى تنتهي الحرب؟

جاءت الوفود إلى ​نيويورك​ محمّلة بالأزمات والاقتصاد والطاقة والخرائط الجديدة، بحثًا عن مساحة اتفاق، فعادت إلى عواصمها ومعها خلافات أكثر ومفاوضات غير مكتملة.

اتفق الجميع تقريبًا على حجم الخطر، لكنهم اختلفوا على الطريق إلى النجاة. وفي الخلفية، كان الكبار يتفاوضون على النفوذ والتكنولوجيا والثروات، بينما بقيت الشعوب النامية تنتظر شيئًا أبسط من كل ذلك: أن تنتهي الحرب.

الرئيس ​دونالد ترامب​ قال كلمته ومضى إلى لقاءاته الكبرى، حيث واشنطن وبكين تتفاوضان على التكنولوجيا والنفوذ وثروات العالم. وهناك أيضًا، لم تكن الصورة أكثر إشراقًا؛ فالكبار لا يتقاسمون الحلول بقدر ما يعيدون رسم حدود النفوذ، وتقاسم مفاتيح المؤسسات الدولية.

كان العالم ينتظر كلمة ترامب، فجاءت بلا قرار حاسم: تهديد ل​إيران​، وباب تفاوض مفتوح في الوقت نفسه. وبحسب مصادر من واشنطن، يؤجل ترامب الحسم بشأن إيران إلى ما بعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني، فيما تتساقط من حوله الأصوات الجمهورية كأوراق خريف هذا العام. أصوات كانت في جيبه، بدأت تنسحب من ظله وتبحث عن برنامج سياسي آخر. وفي هذا المشهد القلق، قرر ترامب تأجيل مسألة إيران إلى ما بعد تشرين الثاني، حيث يعوّل على أن يبقى على رأس السلطة المقررة، ويكمل تحقيق أهدافه في الجمهورية الإسلامية.

في كواليس نيويورك، لم يُولد اتفاق، لكن المقترح الإيراني انتقل من "خطة سبعة أيام" مرفوضة أميركيًا إلى التفاوض على آلية تنفيذها. الوسطاء يدفعون نحو صيغة متدرجة: ضمانات نووية إيرانية مقابل تخفيف العقوبات والإفراج عن أموال، ثم رفع الحصار وفتح هرمز بترتيب إيراني–عُماني، وصولًا إلى مفاوضات أوسع. لكن العقدة باقية: من يبدأ أولًا؟ والأنظار الآن على الرد الأميركي الذي يحمله الوسطاء إلى طهران.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​، فدخل الجمعية العامة كمَّن يحمل على كتفيه تاريخًا ثقيلًا... كومبارس في مسرح الدولة العميقة، يواجه العالم في نيويورك وشعبه في صناديق الانتخابات. لجأ إلى التوراة ليستخرج منها خرائط للقدس، وقفز فوق آلاف السنين ليمنح السياسة غطاءً من القداسة، ويستخرج من نصوص الكتب السماوية ما يراه سندًا لما يدّعي أنّه حق إسرائيل في القدس. ثم وجد نفسه مضطرًا للدفاع عن سياساته في غزة و​لبنان​ و​سوريا​، وسط اتهامات دولية واسعة بقتل المدنيين وارتكاب جرائم حرب، واتهامات بالإبادة الجماعية في غزة ينفيها بشدة. تحدث طويلًا عن حقه في الدفاع، فيما كانت مقاعد الوفود الدولية تتحدث بطريقتها الأكثر صمتًا: الانسحاب من القاعة.

أما الوفود الأوروبية، فغادرت الجمعية العامة بصورة أكثر تماسكًا في مواجهة ​روسيا​، وأكثر تشرذمًا في مواجهة مشاكلها الداخلية. اتفقت على دعم ​أوكرانيا​ وتعزيز الدفاع، لكنها لم تتفق بالقدر نفسه على المال، والعقوبات، وحدود الاعتماد على واشنطن، ومن يدفع كلفة المواجهة ومن يقرر مستقبلها.

الحرب لا تبدو على عتبة مواجهة روسية–ناتو شاملة غدًا، بل أمام حرب طويلة تتناوب فيها جولات التصعيد والتهدئة. أما الجمعية العامة فلم تصنع السلام؛ لقد فعلت شيئًا أقل من ذلك وأكثر واقعية. أبقت الدبلوماسية حية، فيما بقي مفتاح التسوية في موسكو وكييف وواشنطن والعواصم الأوروبية.

وهكذا بدت أوروبا في نيويورك: موحّدة أمام الخطر، متعبة أمام السياسة، وعاجزة في قدرتها على اتخاذ القرار.

أما العرب، فقد غادروا نيويورك بشيء من التنسيق أكثر، لكن ليس بما يكفي لصناعة حل. ظهرت على هامش الجمعية شبكة جديدة تجمع ​السعودية​ وتركيا وباكستان، إلى جانب ​مصر​ وقطر والأردن والإمارات وغيرها، في ملفات الأمن وغزة والملاحة؛ تحالفات لا تبدو نسخة جديدة من الجامعة العربية، بل محاولة لبناء أوزان إقليمية قادرة على التفاوض والدفاع عندما تتراجع المظلة الأميركية أو تتبدل أولوياتها.

السعودية تريد مظلة أمنية أوسع، وتركيا توسّع دورها الإقليمي، وباكستان تضيف ثقلًا عسكريًا، بينما تتحرك مصر وقطر والأردن في قلب ملف غزة. لكن المفارقة العربية تبقى حاضرة: قوة مالية هائلة، وموقع جغرافي لا غنى عنه، وشبكة علاقات واسعة، ومع ذلك لم يستطع العرب حتى الآن إنتاج حل لأزماتهم؛ بل دخلت المنطقة في صراع طائفي جديد لم يكن في حسابات كثيرين.

أما ​فلسطين​، أم القضايا العربية، فقد جاءت إلى الجمعية العامة مثقلة بصراع لم تستطع ​الأمم المتحدة​، بكل جمعياتها وقراراتها، أن تطوي صفحته. وفي القاعة، كانت المفارقة موجعة: فلسطين الغائبة برئيسها كانت حاضرة أكثر من كثير من الحاضرين. قال سفيرها رياض منصور إن فلسطين لا يمكن محوها، وإن شعبها لا يمكن جعله غير مرئي، مستندًا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية استمرار الاحتلال.

وربما كانت المأساة في أبسط صورها: لو أراد ترامب فعلًا، لامتلك من النفوذ ما يكفي ليدفع، خلال وقت قصير، نحو وقف الحرب وإحياء مسار الدولتين. لكن فلسطين، التي عجزت الأمم المتحدة مجتمعة عن حل قضيتها، خرجت من الجمعية العامة مرة أخرى حاضرة في الخطابات، غائبة عن الحل.

أما دمشق، فدخلت الجمعية العامة هذه المرة بعطر سياسي كثيف، لكن يبدو أن في نفس يعقوب الأميركي غايات أخرى. التقى أحمد الشرع ترامب، وظنّ أن المصافحة تكفي لطمأنته إلى موقعه الجديد.

ومع ذلك، حاولت دمشق استعادة مقعدها الإقليمي؛ فبدت سوريا أكثر حضورًا دبلوماسيًا، لكن أقل خبرة سياسيًا. حتى تكاليف رحلة الوفد السوري إلى نيويورك، التي تكفّلت بها قطر العام الماضي، لم تتكفّل بها هذا العام؛ وإن كانت الدوحة قد حدّدت هذه المرة ثمنها السياسي، بعدما نظّمت خلال أعمال الجمعية مؤتمرًا حول إعادة إعمار سوريا.

أما لبنان، فكان يُنتظر منه أن يحمل إلى الجمعية العامة وجع الجنوب كله: قرى تآلفت مع دخان الحروب، وبيوتًا تاريخية هُدمت، ومدنيين أبرياء سقطوا بعد توقيع اتفاقات الهدنة. لكن كلمة رئيس الحكومة نواف سلام، وهو رجل قانون دولي يعرف لغة المواثيق، لم توثّق خطابه، ولو بصورة واحدة، عن مقتل طبيب يعود مع ابنته من الجامعة، عن أطفال عائلة فرحات، عن الشاعرة خاتون سلمى ولقطات من الجمعة الأسود... ماذا لو تحدث عن حق اللبنانيين في محاسبة من قتلهم، وعن قرى مسيحية حدودية، لا علاقة لها بحزب الله –حجة إسرائيل للقتل والتدمير– تواجه نقص الغذاء والكهرباء؛ وعن آلاف أشجار الزيتون المعمّرة التي احترقت، كأنّ النار لا تلتهم الأرض وحدها، بل ذاكرة لبنان أيضًا!

والأشد مرارة أن لبنان امتلك منبر العالم هذا العام لشرح ما يجري على أرض الجنوب، لكن سلام اختار الحديث عن إصلاح مجلس الأمن، وعن تحدّيات الذكاء الاصطناعي في زمن لا تزال فيه الكهرباء والماء والبنى التحتية في لبنان تبحث عن ذكاء اصطناعي ينقذها من "الذكاء" البشري.

إنها غلطة شاطر؛ فلبنان لم يكن يحتاج في نيويورك إلى درس في إصلاح العالم، بل إلى أن يحمل العالم وجع جنوبه، كما حمل الجنوب طوال عقود مأساة لبنان كله.

وهكذا انتهت الجمعية العامة: كلمات كثيرة، اتفاقات قليلة، وطاولات تتسع بينما تضيق مساحة الحل. شرق أوسط ما زال يراكم التحالفات العسكرية والسلاح. وفي قلب هذه الجمعية، التي كان أحد مؤسسيها لبنانيًا، يشهد وطننا على أزمات المنطقة، دافعًا ثمن حروبها في كل الجولات.

الأمم المتحدة- نيويورك