منذ توقيع اتفاق الإطار مع إسرائيل برعاية أميركية، راهن لبنان الرسمي على الدور الذي من الممكن أن تلعبه الولايات المتحدة، من أجل الوصول إلى حلول عملية في وقت قريب، انطلاقًا من رفض الربط بالملف الإيراني، الذي كان قد بدأ مسارًا مختلفًا بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران. خصوصًا أن العديد من الجهات الإقليمية والدولية كانت تطالب بهذا التوجه، انطلاقًا من حتمية الذهاب إلى معالجة جدية لملف "حزب الله".
في الأسابيع الماضية، وجد لبنان نفسه أمام معضلة صعبة، تكمن في أن تل أبيب ترفض المبادرة إلى تقديم أي تنازل جدي يمكن البناء عليه، بل أظهرت العديد من المؤشرات التي تؤكد أنها راغبة في الذهاب إلى المزيد من التصعيد على المستوى العسكري، انطلاقًا من أن لبنان لم يقم بما هو مطلوب منه بموجب الاتفاق الإطاري، في حين كان الأخير يؤكد أن إسرائيل هي التي لا تلتزم بالاتفاق المذكور.
انطلاقًا من ذلك، كان العنوان الأبرز الذي يُطرح على المستوى السياسي المحلي هو العودة إلى الولايات المتحدة من جديد، نظرًا إلى أنها الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل، بالرغم من أن العديد من الأوساط كانت قد تبلغت صعوبة القيام بأي أمر قبل موعد الانتخابات في تل أبيب، بسبب موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحرج، وبالتالي من المفترض الانتظار حتى الانتهاء من هذا الاستحقاق.
على الرغم مما تقدّم، سعى لبنان إلى إعادة طرح الملف على بساط البحث من خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الولايات المتحدة، تحديدًا خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. إلا أن المفاجأة كانت بأن سلام تبلغ موقفًا متشددًا يتبنى بشكل كامل الموقف الإسرائيلي، من خلال ربطه بين مسار الانسحاب من القرى والبلدات المحتلة ونزع سلاح "حزب الله". بل إن المطلوب هو مبادرة بيروت أولًا قبل مطالبة تل أبيب بأي خطوة من قبلها، بالإضافة إلى مطالب أخرى تتعلق بالشق المالي من المواجهة.
عمليًا، يدرك الجانب اللبناني الرسمي صعوبة المعادلة التي وُضعت أمامه من قبل الولايات المتحدة، في ظل موقف "حزب الله" المعروف من الاتفاق الإطاري. بل إن رئيس الجمهورية جوزاف عون كان، قبل أيام قليلة، قد أشار إلى أن المطلوب نزع السلاح من دون الذهاب إلى مواجهة داخلية، الأمر الذي لا يمكن أن يحصل وفق الخطة الأميركية، التي هي وصفة عملية لمثل هذه المواجهة، لا سيما أنه ليس هناك في الداخل من هو قادر على نفي علاقة تل أبيب بعرقلة تنفيذ الاتفاق.
في هذا السياق، هناك في الداخل من يعتبر أن الأولوية هي تمرير الوقت الراهن حتى الانتهاء من الانتخابات الإسرائيلية، انطلاقًا من أن الأمور قد تتبدل بعد ذلك، نظرًا إلى أن أي خطوة مستعجلة من لبنان قد تكون لها تداعيات خطيرة. إلا أن الخطر الأساسي في هذه المعادلة يكمن في أن فرص حصول تبدلات سريعة بعد هذا الاستحقاق غير متوفرة، نظرًا إلى أن النظرة إلى الملف اللبناني لا تختلف بين نتنياهو ومعارضيه. أما الأهم فهو أن نتائج الانتخابات من الممكن أن تقود إلى تمديد فترة بقاء الحكومة الحالية، بسبب الخلافات التي من الممكن أن تحصل حول تشكيل الائتلاف الحاكم.
في مطلق الأحوال، هذا الواقع قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على بيروت، سواء تلك العسكرية من خلال الخطوات التي تقوم بها تل أبيب، أو الدبلوماسية من خلال ما قد تبادر إليه واشنطن في المرحلة المقبلة. إلا أن ما يجب التنبه إليه هو أن ذلك سيقود إلى ما يعلن الجانبان أنهما لا يريدانه، أي الربط بين الملفين اللبناني والإيراني بشكل أكبر، بالرغم من أن نتائج هذا الربط قد لا تكون إيجابية على المدى القصير، نظرًا إلى الصعوبات التي تحول دون الوصول إلى تفاهم شامل بين واشنطن وطهران في وقت قريب.