اقتنع حزب الله أن سوريا السابقة انتهت، فلم يعد السؤال بالنسبة إليه كيف يستعيد علاقته القديمة معها. فهو يدرك أن خسارة النظام السابق تعني خسارة موقع استراتيجي كان يؤمّن له طوال سنوات عمقًا سياسيًا وعسكريًا وجغرافيًا. لذلك، أصبح السؤال اليوم: كيف يمنع الحزب خسارة سوريا من التحول إلى تهديد عسكري مباشر له؟
انطلاقًا من هنا، يمكن فهم أهمية أي قناة اتصال، مباشرة كانت أو غير مباشرة، بينه وبين السلطة السورية الجديدة، بعيدًا عن الجدل حول حصول اللقاءات وأماكنها. فما يريده حزب الله من دمشق ليس أن تعود سوريا إلى ما كانت عليه، فهذا لم يعد ممكنًا، بل أن تبقى خارج الحرب عليه. أي ألا تتحول الأراضي السورية إلى مقر أو ممر أو منصة لقوى يمكن أن تستخدمها للوصول إلى البقاع أو استهداف الحزب عسكريًا، وألا تدخل السلطة السورية نفسها في أي مواجهة يمكن أن تنشأ بينه وبين إسرائيل. فالجغرافيا التي كانت تشكل سابقًا جزءًا من قوة الحزب يمكن أن تتحول، إذا تبدلت وظيفتها، إلى واحدة من أبرز نقاط ضعفه، خصوصًا أن الحدود اللبنانية–السورية طويلة ومفتوحة على البقاع، حيث واحدة من أهم ساحاته العسكرية والاجتماعية.
بهذا المعنى، يعرف حزب الله أنه خسر سوريا استراتيجيًا، لكنه يريد ضبط حجم هذه الخسارة. فالفارق كبير بين أن يخسر حليفًا كان يوفر له العمق والإمداد، وبين أن يتحول هذا العمق السابق إلى جبهة معادية. لذلك، فإن الحد الأدنى الذي يحتاجه الحزب اليوم هو تحييد سوريا عسكريًا.
في المقابل، لدى دمشق رغبة مشابهة ولكن من الجهة الأخرى. فالسلطة السورية التي تحاول بسط سيطرتها على كامل أراضي الدولة لا تريد حزب الله لاعبًا داخل سوريا، ولا تريد مجموعات أو شبكات أمنية وعسكرية قادرة على العمل خارج سلطتها، كما لا تريد استمرار الحدود بوظيفتها السابقة ممرًا للسلاح. لأنه بالنسبة إليها، المسألة لا ترتبط فقط بتاريخ العلاقة العدائية مع الحزب ودوره خلال الحرب السورية، بل بمشروع السلطة الجديدة التي تريد القول إنها صاحبة القرار الوحيد على أراضيها.
يُضاف إلى ذلك البعد الخارجي. فدمشق تحتاج إلى تثبيت علاقتها الجديدة مع الولايات المتحدة والدول العربية والغربية، وإلى طمأنة المجتمع الدولي بأنها لن تعود ساحة مفتوحة لإيران وحلفائها، بما يمكنها من استعادة مشروعية مفقودة، خصوصًا أنها تحتاج إلى رفع القيود عنها وجذب الأموال والاستثمارات وتحريك اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والعقوبات. وبالتالي، فإن ضبط نشاط حزب الله وشبكات التهريب بالنسبة إليها هو جزء من الثمن السياسي المطلوب لإعادة سوريا إلى النظامين العربي والدولي، وهذه من الشروط المفروضة عليها والتي لا يمكنها التراخي بها.
من هنا، قد تكون هناك مساحة لتفاهم لا يحتاج إلى مصالحة بين الفريقين، ولا إلى وئام وود. ونتيجته أن حزب الله لا يعمل ضد السلطة السورية ولا يستخدم لبنان أو الحدود لزعزعة استقرارها، وفي المقابل لا تتحول سوريا إلى قاعدة أو ممر لاستهداف الحزب ولا تدخل عسكريًا في معركته اللبنانية أو مع إسرائيل. ولكن بحسب مصادر متابعة، فإن هذه المساحة تحتاج إلى عقول واعية واستراتيجية، لا إلى عقول متحجرة.
وتشير المصادر إلى أن الحزب منذ اليوم الأول لسقوط سوريا حاول النأي بنفسه إلى حين اتضاح المشهد، ثم انتقل إلى مرحلة الانفتاح وإعلان الجهوزية للقاء، وأبدى تعاونًا مع الجانب التركي الذي يقود ويرعى علاقة الفريقين، وسيستمر كذلك لعلمه بالمصلحة المشتركة في وجه إسرائيل.
أما عن اتهام الحزب بتحريك خلايا لضرب الاستقرار السوري، فتشير المصادر إلى أن الحزب يتفهم مواقف القيادة السورية التي تجد نفسها أحيانًا محشورة أمام دول معينة جارة وبعيدة، ومضطرة لاتهام حزب الله بخلايا وغيرها.

























































