في الأيام الماضية، برز بشكل رئيسي السؤال عن كيفية استغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحادثة التي تعرضت لها طائرة "فلاي دبي" انتخابيًا، قبل أسابيع قليلة من فتح صناديق الاقتراع في تل أبيب، في ظل المنافسة الشرسة التي يتعرض لها من خصومه، بينما هو يعتبر هذا الاستحقاق مفصليًا في حياته السياسية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذه الحادثة عن المعادلات الأمنية التي تُطرح على مستوى المنطقة، في ظل التحولات التي كانت قد شهدتها على مستوى التحالفات، بالإضافة إلى التنافس القائم بين المحاور الجديدة التي تتشكل.
أحداث اليمن والتطبيع مع السعودية
قبل أسابيع قليلة، كانت قد برزت التطورات العسكرية على الساحة اليمنية، أي التقدم الذي أحرزته قوات "أنصار الله"، التي فرضت نفسها كتحد كبير بالنسبة إلى السعودية. وهو أمر سارعت تل أبيب إلى محاولة استغلاله من جديد، عبر تقديم نفسها بوصفها الجهة القادرة على تقديم المساعدة إلى الرياض لمواجهة هذا الخطر.
هذه الخطوة تعود إلى النظرية التي عمل نتنياهو، في السنوات الماضية، على التسويق لها، انطلاقًا من أن إيران تمثل تهديدًا مشتركًا، وأن إسرائيل هي الشريك الذي تستطيع الدول الخليجية الاعتماد عليه. حيث قُدمت اتفاقات إبراهيم التي وقعت بين تل أبيب وبعض الدول الخليجية على أساس أنها الإطار العملي لهذا التعاون.
هنا، من الممكن الإشارة إلى أن هذه النظرية كانت قد استفادت من عاملين رئيسيين: الأول هو الضربات التي تعرضت لها الدول الخليجية خلال الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران من قبل طهران، أما الثاني فهو الشكوك التي باتت تُثار حول القدرة على الاعتماد على واشنطن فقط على المستوى الأمني.
في هذا المجال، لا يمكن تجاهل المواقف التي كان قد أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من التطورات اليمنية، عندما أشار إلى أن حركة "أنصار الله" لا تريد الحرب مع الولايات المتحدة. ما يعني من الناحية العملية الإيحاء بأن ما يحصل هو مشكلة سعودية فقط، في حين أن الأخيرة كانت قد سعت إلى تحويلها لمشكلة تتعلق بالممرات الدولية، وبالتالي من المفترض أن تعني مختلف دول العالم.
حادثة "فلاي دبي" وخطاب بن سلمان
من أبرز النقاط التي ينبغي التوقف عندها فيما يتعلق بحادثة طائرة "فلاي دبي"، يمكن الإشارة إلى محاولات تل أبيب فرض قنوات تنسيق مباشرة مع الرياض منذ اللحظة الأولى لوقوعها، من خلال مجموعة من التسريبات التي كانت قد أشارت إلى التحقيق المشترك في الحادثة، وصولًا إلى طرح إرسال طائرة إنقاذ عسكرية إلى المملكة من أجل إجلاء ركاب الطائرة الإسرائيليين.
في المقابل، كان من الواضح أن السعودية تريد تجنب الوقوع في هذا "الفخ"، من خلال رفض طلبات تل أبيب إرسال أي طائرة إجلاء، والإصرار على أن تتولى المهمة طائرة أخرى تابعة لشركة "فلاي دبي". أما الرسائل الأهم فقد جاءت في خطاب ولي العهد محمد بن سلمان أمام مجلس الشورى، الذي أشار فيه إلى أن "التزام المملكة بحق الشعب الفلسطيني موقف راسخ، وجهد مستمر لن يتوقف إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة وفقًا للمرجعيات الدولية".
هذا الموقف السعودي يعني إعادة التأكيد على شروط التطبيع مع إسرائيل، التي تدرك الرياض أنها مرفوضة من قبل تل أبيب، لا سيما بالنسبة إلى نقطة إقامة دولة فلسطينية. ما يعني عمليًا رفض محاولات نتنياهو استغلال التطورات في المنطقة من أجل الدفع بهذا الخيار من جديد، خصوصًا أنه من الأمور التي من الممكن أن تعزز حضوره على المستوى السياسي الداخلي.
التقييم السعودي للمخاطر
ما تقدّم لا يمكن أن يلغي المخاطر الأمنية التي تواجهها الرياض في هذه المرحلة، وبالتالي من الطبيعي البحث في تقييمها لها وما الخيارات التي تطرحها لمواجهتها.
في خطاب بن سلمان نفسه، ذهب إلى التشديد على أن "المملكة لن تتردد في الرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدف المساس بأمنها"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن السعودية "تمتلك قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة، قادرة على التصدي وردع التهديدات بشكل كامل أيًا كانت مصادرها". كما لفت إلى نقطتين مهمتين: الأولى هي العمل مع دول مجلس التعاون على صون الأمن الخليجي، أما الثانية فهي الإشارة إلى أن "حلف مكة الدفاعي"، بين المملكة وتركيا وباكستان، جاء في سياق الإسهامات في تعزيز استقرار المنطقة، وتجنيبها تبعات التوتر والصراعات وتنسيق الجهود.
من خلال هذه المواقف، يتبين أن الرياض لا تزال تعتبر أن التهديدات التي تواجهها لا تزال ضمن الحدود التي تستطيع التعامل معها. أما الأبرز فكان التأكيد على الرهان على "تحالف مكة الدفاعي"، بما يشكله ذلك من مؤشرات حول الصراع على النفوذ القائم على مستوى المنطقة، نظرًا إلى أن تركيا في تنافس مفتوح مع إسرائيل في أكثر من ساحة، بينما باكستان ليس لديها أي علاقات مع تل أبيب، وتتبنى أيضًا الموقف المتعلق بالدولة الفلسطينية المستقلة.
الكرة في ملعب تل أبيب
في المحصلة، يمكن القول إن السعودية أعادت الكرة إلى الملعب الإسرائيلي من جديد، بالنسبة إلى طروحات التطبيع القائمة منذ سنوات، من خلال التمسك بالثوابت المرتبطة بالملف الفلسطيني التي تعلن عنها، والتي من المعروف أن تل أبيب، لا سيما نتنياهو شخصيًا، ليست في وارد الموافقة عليها، خصوصًا بعد التحولات على المستوى الداخلي التي فرضتها عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول من العام 2023.
في المقابل، لا يمكن التغاضي عن المؤشرات التي من المفترض أن تظهر في الفترة المقبلة، تحديدًا بعد الانتخابات الإسرائيلية، بالنسبة إلى الصراعات على النفوذ في المنطقة. التي تشمل، بالإضافة إلى مصير المواجهة مع إيران، التنافس القائم بين المحاور الأخرى، التي يبرز "تحالف مكة" كأحد أركانها، في مقابل المحور الذي تسعى تل أبيب إلى تشكيله، في سياق المعادلات الأمنية التي لا تزال في مرحلة التكوين.