أنهى مجلس الوزراء اللبناني في الأول من تشرين الأول دراسة مشروع موازنة 2027 وأقرّه، قبل أن يوقّع رئيس الجمهورية جوزاف عون في اليوم التالي مرسوم إحالته إلى مجلس النواب. وبحسب وزير الإعلام بول مرقص، فإنّ الحكومة بذلك احترمت، للسنة الثانية على التوالي، المهل المتعلقة بإقرار الموازنة العامة. قد يكون مثل هذا الأمر بديهيًا في المبدأ، إلا أنّه في بلد أمضى سنوات طويلة خارج الانتظام المالي الطبيعي، يكتسب أهمية لا يمكن تجاهلها.
باختصار، لا تبدو هذه مسألة شكلية، إذ تعني أن دورة إعداد الموازنة وإقرارها بدأت تستعيد مواعيدها. لكنّ أهمية موازنة 2027 تتجاوز ذلك، فهي لا تقف عند استهداف عجز صفري، خصوصًا في ضوء الزيارة الأخيرة لوفد صندوق النقد الدولي إلى بيروت الشهر الماضي. يومها، رحّب الصندوق بهدف التوازن المالي، لكنه ربط استدامته باستكمال إطار مالي متوسط الأجل واعتماده رسميًا، بحيث يوجّه الموازنات السنوية ويضبط أثر قرارات اليوم في السنوات المقبلة.
هكذا يظهر فارق بين مستويين من الانتظام: موازنة سنوية عادت إلى موعدها، وإطار يمتد لسنوات ما زال قيد الاستكمال، فيما تستمر حاجات جديدة في فرض قرارات إنفاق لم تكن جميعها موجودة في الأرقام الأصلية. فهل يكفي انتظام سنة واحدة للقول إن المالية العامة بدأت تنتظم؟
المواعيد عادت
أول ما يمكن تسجيله هو استعادة جزء من الانتظام الإجرائي الذي افتقدته المالية العامة اللبنانية طويلًا. فالموازنة هذه المرة لم تصل بعد بدء السنة المالية، ولم تتأخر مناقشتها إلى ما بعد استحقاقها، وقد أُعدّت ونوقشت وأُقرت ضمن المهلة التي أعلنتها الحكومة، بعد سنوات كانت فيها الدولة تدخل السنة المالية من دون موازنة مكتملة أو تقرها بعد مرور أشهر على بدء تنفيذ الإنفاق.
وهذا الانتظام مهم لأن الموازنة ليست جدولًا للإيرادات والنفقات فقط. هي الإطار الذي يفترض أن تجمع فيه الدولة التزاماتها وتوقعاتها المالية قبل بدء السنة، بما يسمح بمعرفة ما تنوي إنفاقه وكيف ستؤمّن موارده، وتصبح القرارات المالية قابلة للمقارنة والمساءلة ضمن إطار واحد.
لكن احترام الموعد يجيب عن سؤال التوقيت، فيما يبقى السؤال الأوسع متعلقًا بقدرة الدولة على إبقاء القرارات التي تتخذها خلال السنة ضمن المسار المالي الذي رسمته مسبقًا. فعودة التقويم إلى الانتظام لا تعني تلقائيًا أن كل القرارات المالية أصبحت جزءًا من هذا الانتظام نفسه، ولا أن الإنفاق الطارئ أو الزيادات الجديدة ستجد مكانها بسهولة داخل الأرقام المقررة مسبقًا.
التوازن الحسابي نقطة البداية
دخل مشروع موازنة 2027 إلى مجلس الوزراء على أساس نفقات تبلغ نحو 614.945 تريليون ليرة، تقابلها إيرادات بالقيمة نفسها، أي بعجز مقدر يساوي صفرًا. وإذا كان ذلك دفع سابقًا إلى التساؤل عن معنى التوازن الحسابي في اقتصاد لم يستعد عافيته بعد، فإنّ عودة المشروع الآن بعد إقراره تفتح سؤالًا مختلفًا: ليس ما إذا كان الرقم النهائي متوازنًا على الورق فقط، وإنما ما الذي يدخل أصلًا في هذا الحساب وما الذي يبقى خارجه.
فصندوق النقد رحب باستهداف وضع مالي متوازن وبالإجراءات الرامية إلى تعزيز الامتثال الضريبي، لكنه أرفق ذلك بملاحظات تتعلق بما يجب أن تحتويه الموازنة نفسها. وقد شجع الصندوق السلطات على تسجيل كامل الإنفاق الممول من الخارج في موازنة 2027، إلى جانب إعطاء الأولوية لدعم النازحين وإفساح المجال للإنفاق الرأسمالي.
وهذه الملاحظات تعكس مشكلة أوسع من مجرد حجم العجز، لأن صورة المالية العامة لا تكتمل إذا بقيت أجزاء من الإنفاق خارج الموازنة أو ظهرت في قنوات موازية لا تظهر ضمن الحساب الأساسي منذ البداية. فكلما بقي جزء من الإنفاق خارج الأرقام الأصلية، أو ظهر لاحقًا في اعتمادات إضافية، صار التوازن مرتبطًا بنطاق ما أُدرج في الحساب منذ البداية. وهنا تحديدًا تبرز أهمية ما حدث بالتزامن مع إقرار موازنة السنة المقبلة.
قرارات الإنفاق لا تنتظر
في الجلسة نفسها التي انتهت بإقرار موازنة 2027، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون لفتح اعتماد إضافي في موازنة 2026 بقيمة 1450 مليارًا و800 مليون ليرة، مخصص لدعم السائقين العموميين لنقل الركاب لمدة ثلاثة أشهر، لمعالجة أزمة النقل وارتفاع كلفته. وكان اتفاق سبق القرار قد حدد الدعم بـ12 مليون ليرة شهريًا للسائق المستحق، عن الفترة الممتدة من الأول من تشرين الأول إلى 31 كانون الأول، ووصف هذه الفترة بأنها "مرحلة أولى".
بمعزل عن التفاصيل، تبدو المفارقة الزمنية هنا لافتة. ففي اللحظة التي كانت الحكومة تنهي فيها حسابات السنة المقبلة وتعلن التزامها بموعد الموازنة، كانت تحتاج في الوقت نفسه إلى تعديل حسابات السنة الجارية بإضافة إنفاق لم يكن موجودًا في صورتها الأصلية.
المقصود هنا ليس مناقشة الحاجة الاجتماعية إلى الدعم، إنما الإضاءة على طريقة ظهوره ماليًا: حاجة مستجدة تستدعي فتح اعتماد إضافي بقانون منفصل عن أرقام الموازنة الأصلية. وهذا مثال عملي على أن انتظام موعد الموازنة لا يلغي احتمال ظهور إنفاق إضافي خلال التنفيذ، بما يضع التوازن المعلن أمام اختبارات لم تكن موجودة عند إعداد الأرقام.
ويظهر تحدٍّ آخر في ملف الرواتب والمعاشات. فبعثة صندوق النقد أشارت إلى أن رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، الذي أقره مجلس الوزراء وكان يفترض أن يموّل الزيادة في الرواتب والمعاشات المقررة في شباط، لم يكن قد طُبّق حتى زيارة البعثة في أيلول، فيما باتت كلفة العاملين المرتبطة بهذه الزيادة تضيف ضغوطًا على الإنفاق. هنا يبدأ الالتزام المالي قبل دخول الإيراد المخصص لتمويله حيّز التنفيذ، فتظهر الفجوة بين قرار الإنفاق وآلية تغطيته.
إطار السنوات لم يصبح مرساة بعد
من هنا يكتسب الإطار المالي المتوسط الأجل أهمية أكبر من كونه مطلبًا تقنيًا في المحادثات مع صندوق النقد. فالبعثة رحبت بتطويره، وقالت إنها أحرزت مع السلطات تقدمًا في مزيد من تنقيحه، لكنها أكدت أن عملًا إضافيًا ما زال مطلوبًا، خصوصًا في ترتيب الإجراءات ودمج حاجات الإنفاق الرأسمالي والاجتماعي.
وبحسب الصندوق، سيكون اعتماد إطار موثوق رسميًا بعد استكماله ضروريًا لتوجيه الموازنات السنوية واستعادة الاستدامة المالية، مع توفير مساحة لإعادة الإعمار والحماية الاجتماعية. والفكرة هنا بسيطة: الموازنة تحسب ما ستنفقه الدولة وما تتوقع تحصيله خلال سنة، فيما يفترض بالإطار المتوسط الأجل أن يكشف أثر قرارات هذه السنة في السنوات التالية.
فزيادة دائمة في الرواتب أو برنامج دعم أو إنفاق اجتماعي جديد لا يُقاس فقط بكلفته عند إطلاقه، وإنما بقدرة الدولة على تمويله لاحقًا أيضًا. وهذا هو الفارق بين إدارة كل سنة على حدة وبين إدخال الموازنة السنوية ضمن مسار مالي أطول.
من الإقرار إلى التنفيذ... أين يُمتحن التوازن؟
ينتقل مشروع موازنة 2027 الآن إلى مجلس النواب، وهنا يلتقي مساران مهمان. فالمجلس سيبحث تقديرات النفقات والإيرادات للسنة المقبلة، فيما كان صندوق النقد قد شجع السلطات على المضي في الإقرار التشريعي لرفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، وهي الزيادة التي كان يفترض أن تؤمّن جزءًا من الإيرادات اللازمة لتغطية الزيادة في الرواتب والمعاشات.
وبذلك لا ينظر المجلس في موازنة السنة المقبلة فقط، إذ يملك أيضًا دورًا في إقرار أحد الموارد التي يفترض أن تموّل التزامات سبق اتخاذها. فإذا تأخر الإيراد أو تغيرت صيغته، تتأثر معه الحسابات التي قامت عليها السياسة المالية، حتى لو بقي رقم العجز في مشروع الموازنة صفرًا.
وفي المقابل، لا يغلق إقرار الموازنة باب الإنفاق الجديد. فالاعتمادات الإضافية والاستثنائية تبقى ممكنة خلال السنة، كما أثبت مثال دعم السائقين. لذلك يبدأ الامتحان الفعلي بعد الإقرار: هل تتحقق الإيرادات كما قُدّرت، وهل تبقى النفقات ضمن السقوف المرسومة، وكيف تُموّل الحاجات التي تظهر لاحقًا؟
في النتيجة، استعادت الحكومة أمرًا مهمًا: الموازنة عادت إلى موعدها، والدولة استعادت جزءًا أساسيًا من انتظامها المالي. لكن انتظام التقويم لا يضمن وحده انتظام المال. فالموازنة تصبح أكثر صدقية عندما تكون قرارات الإنفاق والإيراد التي تأتي قبلها وبعدها جزءًا من المسار نفسه، وعندما تكون كلفة قرار اليوم محسوبة أيضًا في السنوات التالية. من هنا، فإنّ المحكّ الأساسي يبقى مركّزًا على ما إذا كان لبنان قادرًا على إبقاء هذا التوازن قائمًا بعد بدء التنفيذ. فهل يصبح استكمال الإطار المالي المتوسط الأجل الخطوة التي تنقل الدولة من موازنة منتظمة في موعدها إلى مالية عامة منتظمة في مسارها؟





















































