بعد أن بات من الواضح أنه من الصعب عقد جولة مفاوضات سياسية بين لبنان وإسرائيل قبل موعد الانتخابات في الأخيرة، جاء الحديث عن الاجتماع العسكري، الذي من المفترض أن يُعقد في فلوريدا هذا الشهر، كمحطة تُطرح حولها الكثير من علامات الاستفهام. خصوصًا أنها جاءت على ضوء تراجع الرهانات على إمكانية حصول أي خرق جدي، في المرحلة الراهنة، بسبب التعنت الإسرائيلي الذي يحول دون التقدم في تطبيق الاتفاق الإطاري.
في هذا المجال، لا يزال الجانب اللبناني الرسمي يراهن على الدور الذي من الممكن أن تلعبه الولايات المتحدة، انطلاقًا من أنها الجهة الوحيدة القادرة على الضغط على تل أبيب، بالرغم من كل المؤشرات التي تؤكد أنها ليست في هذا الوارد، تحديدًا قبل الانتهاء من انتخابات الكنيست، بسبب الواقع الذي يمر به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وتشير مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن بيروت تنظر إلى اجتماع فلوريدا بوصفه محطة من الممكن أن تقود إلى إحداث خرق ما في المفاوضات، لكنها تلفت إلى أن الواقع من الناحية العملية مختلف كليًا. نظرًا إلى أن إسرائيل كانت قد بادرت، منذ أسابيع، إلى تصعيد عملياتها العسكرية، بينما على المستوى الدبلوماسي لا يمكن تجاهل الرسائل التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بعد لقائه رئيس الحكومة نواف سلام، لناحية ربط أي انسحاب بالخطوات التي يجب أن يقوم بها لبنان في ملف نزع سلاح "حزب الله".
وترى المصادر نفسها أن من الطبيعي وصف هذا الاجتماع بأنه محاولة لتمرير الوقت بأقل قدر ممكن من الأضرار، على اعتبار أنه الخيار الوحيد المتوفر في ظل عدم القدرة على الرهان على حصول خرق جدي في المفاوضات. إلا أنها تلفت إلى أن هذه المعادلة تتطلب أمرين رئيسيين: الأول ضمان عدم مبادرة تل أبيب إلى المزيد من التصعيد العسكري، الأمر الذي يبقى مرتبطًا بحاجة نتنياهو الانتخابية، أما الثاني فهو عدم انفجار الأوضاع على المستوى الإقليمي بشكل كامل.
في الأيام الماضية، كانت لافتة التسريبات التي تحدثت عن أن روبيو أعطى التعليمات لفريقه بالمباشرة فورًا في بت التفاصيل العالقة بآلية التحقق والجهة التي ستتولاها، والتي من المعلوم أن الخلافات حولها تحول دون الذهاب بعيدًا في تنفيذ نموذج المناطق التجريبية، التي كانت إسرائيل قد تحدثت مرارًا عن فشله، محملة الجيش اللبناني المسؤولية عن ذلك.
بالنسبة إلى المصادر السياسية المتابعة، هذا الواقع يرفع من كلفة فترة الانتظار، خصوصًا أن غياب الاتفاق حول آلية التحقق يأتي في ظل عدم وضوح الواقع في الجنوب بعد انتهاء ولاية قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل". بما يعنيه ذلك من تحديات كبرى في لبنان، الذي يتخوف من الوصول إلى حالة من الفراغ، في حين أن تمرير أي اتفاق في الفترة الفاصلة يبدو صعبًا، في ظل الشروط المتشددة من قبل تل أبيب، بينما أي تبدل في مهامها أو مهام القوة البديلة قد يقود إلى مشكلة داخلية.
حتى الآن، لا تزال المصادر نفسها تستبعد فرضية أن تبادر إسرائيل إلى تقديم أي تنازل، بل على العكس لا تزال المخاوف من أي مغامرة قد يقدم عليها نتنياهو حاضرة بقوة. في حين أن الرهان اللبناني يتركز حاليًا على قدرة الولايات المتحدة على تفادي الأمر، لكنها تحذر من أن المشكلة الرئيسية، بالإضافة إلى المخاطر المتعددة، تكمن في أن فترة الانتظار، التي تستغلها تل أبيب لتكريس أمر واقع في المناطق المحتلة، قد تطول كثيرًا.
في المحصلة، توضح هذه المصادر أن البعض يعتبر أن هذه الفترة قد تمتد كحد أقصى إلى ما بعد الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني المقبل، إلا أنها تلفت إلى أن الانتخابات في إسرائيل قد لا تقود إلى تشكيل حكومة سريعة، بسبب الخلافات التي من المرجح أن تظهر حول تأليف الائتلاف الحاكم. أما الأخطر فهو أن ليس هناك ما يمنع انفجار الأوضاع الإقليمية من جديد، في ظل تصريحات الرئيس دونالد ترامب المتكررة عن إمكانية تجدد الضربات العسكرية بشكل أكبر بعد الانتخابات النصفية.