أعلنت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية، في عددها الصادر الأحد 4 تشرين الأول 2026، أن أكثر من 400 مدرسة في ​فرنسا​ ستُغلق الاثنين، مع التخطيط لمزيد من الاحتجاجات. ونقلت الصحيفة عن وزير التعليم الفرنسي ​إدوار جيفراي​ أن 24 مدرسة قد أُحرقت أو نُهبت، وأُصيب 78 من العاملين فيها منذ بدء الاضطرابات الطلابية في أيلول 2026.

وإذا كانت أموال المدارس الفرنسية نُهبت، فحدثت الاضطرابات كردة فعل، فإن ​لبنان​ بأسره قد نُهب، غير أن طلابه لم يتسببوا في أي اضطراب. ومع ذلك، أصدرت وزيرة التربية الدكتورة ​ريما كرامي​ قرارات بإغلاق الثانويات و​المدارس الرسمية​ في أقضية المتن الشمالي والساحلي، وجبيل، وبعبدا وغيرها من الأقضية ذات النسيج الطائفي الواحد، وعلى طريقة "الخبط عشواء"!

وفي أيلول أيضًا، كانت الوزيرة كرامي تنشط في إقفال الثانويات والمدارس الرسمية "المتعثرة"، فهل ينطبق على هذا التطابق بين فرنسا ولبنان المثل الشعبي القائل: "تعددت الأسباب والإقفال المدرسي واحد"؟...

وبالعودة إلى الشأن الفرنسي، فإن المدارس الـ400 أغلقت أبوابها بالفعل، كليًا أو جزئيًا، الاثنين، مع استعداد السلطات لأسبوع آخر من احتجاجات الطلاب، بالنظر إلى "عدم استيفاء الشروط الأمنية".

غير أن الحكومة الفرنسية تتوقع عودة تدريجية وجزئية للدروس.

وكان آلاف "المراهقين" قد نظموا تظاهرات واسعة النطاق، وأقاموا حواجز، الأسبوع الماضي، احتجاجًا على ما وصفوه بـ"نقص التمويل، وإهمال النظام التعليمي" في فرنسا.

وقد أسفرت الاشتباكات مع "شرطة مكافحة الشغب" عن إصابة المئات، كما أدت إلى اعتقال أكثر من 5000 شخص، معظمهم من القاصرين، وهزّت إدارة الرئيس ​إيمانويل ماكرون​ الوسطية.

غير أن نهاية الأسبوع الماضي شهدت هدوءًا نسبيًا، ولكن منظمي الاحتجاجات دعوا إلى تجددها اليوم، الثلاثاء، نظرًا إلى "تقاعس الحكومة عن اتخاذ إجراءات ملموسة".

وتقول السلطات الفرنسية إن "محرضين سياسيين" تسللوا إلى الاحتجاجات التي انطلقت من إحدى مدارس باريس في 17 أيلول الماضي، وامتدت لتشمل العاصمة وباقي أنحاء فرنسا.

ورأى وزير التعليم الفرنسي أن استهداف موظفي التعليم المصابين كان متعمدًا، "وهو أمر لم نشهده من قبل"، بحسب قوله.

وقد فاجأت الاحتجاجات الحكومة، ووضعت الرئيس ماكرون أمام أسوأ أزمة يواجهها منذ أشهر. وكذلك هيمنت صور المتاريس المحترقة، والشرطة التي تستخدم الغاز المسيل للدموع، والهراوات، وغيرها من الوسائل لتفريق المتظاهرين على نشرات الأخبار التلفزيونية.

وتشمل شكاوى الطلاب اكتظاظ الفصول الدراسية التي تضم ما يصل إلى 40 طالبًا في مبانٍ متداعية، وتدني رواتب المعلمين، وغياب الموظفين، ونظامًا تعليميًا غير عادل، يحدد فيه الوضع الاجتماعي النجاح!

ومن العوامل الأخرى نظام التقديم الإلكتروني المعقد وغير الشفاف للجامعات، فضلًا عن درجات الحرارة المرتفعة في الفصول الدراسية خلال موجات الحر.

واتهم المحتجون الدولة بالتخلي عن مسؤوليتها تجاه التعليم الثانوي (تمامًا كما يحصل في لبنان اليوم)، وأشاروا إلى ظروف صعبة كالتسريبات، وانتشار الصراصير، وانهيار الأسقف، وتهالك المباني (خلافًا للوضع عندنا).

كما واشتكى آخرون من طول اليوم الدراسي المفرط، ونقص الكوادر التدريسية.

وكذلك، أثار بعض الطلبة مطالب إضافية تتعلق باللوائح المدرسية، وبينها القيود المفروضة على استخدام الهواتف المحمولة داخل المؤسسات التعليمية.

وأقرت الحكومة، من جهتها، بـ"مشروعية الشكاوى"، ولكنها شجبت ما وصفته بـ"العنف الحضري".

وقبضت الشرطة، الأحد، على شاب يبلغ من العمر 16 عامًا، على خلفية اعتداء على معلم في مدينة "لا سيوتات"، على الساحل الجنوبي بين "مرسيليا" و"تولون".

حلول لوكورنو

أعلن رئيس الوزراء الفرنسي ​سيباستيان لوكورنو​، من جهته، إطلاق 5 مسارات عمل لـ"معالجة صعوبات طلبة المدارس الثانوية والعاملين في المؤسسات التعليمية". وقال لوكورنو، في بيان نشره عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، إن "الحكومة ستعمل على ضمان انتظام الدروس، وتحسين ظروف المباني المدرسية بالتعاون مع المجالس الإقليمية، وإعادة تنظيم أيام الدراسة، وتعزيز الشفافية في نظام القبول الجامعي، إلى جانب إتاحة مساحة أكبر لمشاركة الطلبة في القرارات المتعلقة بالحياة المدرسية".

وأشار إلى أن القرارات الأولى في شأن الملفات الخمسة ستُعرض قبل نهاية تشرين الأول الجاري، مصحوبةً بمصادر التمويل والجدول الزمني للتنفيذ.

وفي خطوة تنفيذية لمعالجة أزمة نقص الكوادر التعليمية، طلب لوكورنو من السلطات التعليمية في مختلف الأكاديميات إعطاء الأولوية، لتعويض الغيابات الطويلة، وشغل الوظائف الشاغرة، على أن تُعرض حصيلة أولية لهذه الإجراءات في 16 تشرين الأول.

كما ودعا إلى عقد اجتماع مع رؤساء المجالس الإقليمية، اليوم، الثلاثاء، للبحث في تجديد المؤسسات التعليمية، وتحسين ظروف التدريس، بما في ذلك تهيئة المدارس لمواجهة موجات الحر، التي تسببت في تفاقم صعوبات الدراسة داخل بعض الفصول.

وتشمل خطة الحكومة أيضًا مراجعة تنظيم أيام الدراسة، استجابةً لشكاوى الطلبة من طول الجداول اليومية، وصعوبة التوفيق بين الحصص والأنشطة والراحة.

وفي ملف القبول الجامعي، تعتزم الحكومة تعزيز شفافية منصة "باركورسوب"، التي يعتمد عليها الطلبة في التقدم إلى مؤسسات التعليم العالي، بما يساعدهم على فهم معايير الاختيار وشروط القبول في شكل أوضح.

وأما المسار الخامس، فيركز على تعزيز مشاركة الطلبة في الحياة المدرسية، وإتاحة المجال أمامهم لعرض مقترحاتهم في شأن ظروف الدراسة والتنظيم الداخلي للمؤسسات التعليمية، بما يضمن التعامل مع مطالبهم بصورة أكثر وضوحًا وانتظامًا.

زيادة في موازنة التعليم

وعن التمويل، أعلن لوكورنو أن مشروع موازنة العام 2027 يتضمن زيادة بقيمة 1.2 مليار يورو، لموازنة وزارة التعليم، لترتفع الاعتمادات الإجمالية للوزارة إلى نحو 64 مليار يورو.

وتأتي الزيادة في وقت تواجه الحكومة مطالب بتوفير مزيد من الموارد البشرية والمادية للمدارس، ومعالجة الفوارق في جودة التعليم بين المؤسسات والمناطق المختلفة.

وعلى الرغم من ذلك، دعت منظمات طلابية ونقابات تعليمية إلى استئناف التعبئة، الثلاثاء 6 تشرين الأول، احتجاجًا على ما وصفته بـ"عدم تقديم إجراءات ملموسة تستجيب للمطالب المطروحة".

وفي المقابل، شددت الحكومة على أن استعادة انتظام الدراسة تمثل أولوية. وأكدت رفضها أعمال العنف والاعتداءات التي طاولت الطلبة والعاملين وأفراد الأمن.

وإذا كان "نقص التمويل، وإهمال النظام التعليمي" قد تسبب بكل ما تسببا به في الشارع الفرنسي، فإلى متى يمكن للحكومة اللبنانية أن تراهن على سكوت الطلاب عن كل الإجحاف اللاحق بهم تربويًا؟... وأما عن "المحرضين السياسيين"، فما أكثرهم عندنا!