كتب جوناثان فريدلاند في صحيفة "الغارديان" أن قرارًا سيُطرح للنقاش في مؤتمر حزب "الخضر" البريطاني هذا الأسبوع، يعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال ​العنصرية​ ويطالب بأن "تُعامل كما تُعامل أي صورة أخرى من العنصرية"، سيعني لو أُقر أن أعضاء المنظمات التي تصف نفسها بالصهيونية لا يمكن قبولهم في الحزب، وهي فئة تضم معظم ​الكنيس اليهودي​ وحركاته في بريطانيا والعالم، ما يجعله يخشى أن يؤدي أداء صلاة "القادیش" على والده في الكنيس غدًا إلى طرده بتهمة العنصرية لو كان عضوًا في الحزب.

وأوضح الكاتب أن حزب "الخضر" لم يعد حزبًا هامشيًا، إذ فاز في انتخابات فرعية في شباط على حزب العمال في واحدة من الأحداث التي أدت إلى الإطاحة في النهاية ب​كير ستارمر​، وأن زعيمه في إنكلترا وويلز زاك بولانسكي يأمل بالفوز بمقعد ستارمر السابق في هولبورن وسانت بانكراس في الانتخابات الفرعية الخميس المقبل، لكن الجدل حول الصهيونية ألقى بظلاله على حملته، وإن خسر المقعد فسيستنتج كثيرون أن موجة "الخضر" انتهت، وهو ما سيريح حزب العمال وآندي بيرنهام من صداع انتخابي كبير، وبالتالي فإن الرهانات عالية.

وأشار الكاتب إلى أن القراءة المتسامحة هي أن هذه الخطوة تنبع من رعب حقيقي وواسع من قصف إسرائيل ل​غزة​، أعقبته سلسلة من سوء الفهم غير المؤسف حول ماهية الصهيونية ومن هم اليهود وكيف يعمل ​معاداة السامية​، لكنه قال إنه لو أراد مقدمو القرار التعبير فقط عن اشمئزازهم من الدمار الكارثي في غزة ومن نفّذه، لكانوا ندّدوا بإسرائيل وحكومتها، لكن غرضهم المعلن هو الذهاب أبعد بكثير لمهاجمة وجود إسرائيل ذاته والحركة التي أدت إليه، أي الصهيونية.

ولفت الكاتب إلى أن الصهيونية تعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين، إذ وصفها الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز بأنها اسم عائلة ومظلة لمجموعة واسعة من الرؤى المتباينة جذريًا، فقبل تأسيس إسرائيل عام 1948 كان هناك صهاينة ثقافيون يتصارعون مع صهاينة دينيين، وصهاينة ماركسيون يغضبون من صهاينة يمينيين عسكريين، وكلهم كانوا على خلاف تام مع المجموعة المهيمنة: الصهاينة الاشتراكيين، وما جمعهم هو الإيمان بسيط بأن لليهود حق تقرير المصير في وطن أجدادهم. وأضاف أن ذلك هو ما يعنيه أن تكون صهيونيًا حتى اليوم، أي أن تؤمن بوطن قومي يهودي في جزء من ​فلسطين​ التاريخية، وأن هناك صهاينة يمينيين يرون أنه يجب أن يكون في كل تلك الأرض، وصهاينة يساريين يرون أنه يجب أن يكون داخل الحدود الأصغر التي كانت قائمة قبل حرب 1967 وإلى جانب دولة فلسطينية، لكن الفريقين صهيونيان، كما أن الوزير العنصري ​إيتمار بن غفير​ صهيوني، لكن كثيرًا من الناشطين اليهود والإسرائيليين المناهضين للاحتلال الذين يتطوعون ليكونوا "حضورًا حاميًا" ويضعون أجسادهم بين مستوطنين متطرفين وقرويين فلسطينيين في الضفة الغربية صهاينة أيضًا، وأن وصف كل هؤلاء تحت مظلة واحدة بالعنصرية يُظهر جهلًا عميقًا بمعنى كلمة الصهيونية وبالنطاق الواسع لمن يعرّفون أنفسهم بها.

ورأى الكاتب أن القرار يكشف أيضًا سوء فهم متعمدًا لليهود واليهودية، إذ امتلأت وسائل التواصل في الأيام الأخيرة بغير اليهود ممن يصفون أنفسهم بالتقدميين وهم يشرحون لليهود ما هي اليهودية وما ليست عليه، بغرور يعتقد أنه سيكون غير مقبول لو صدر عن مجموعة أغلبية تخاطب أي أقلية أخرى، فيقال ببساطة إن الصهيونية مجرد أيديولوجيا سياسية منفصلة تمامًا عن اليهودية، ما يعني أنه يمكن التنديد بالأولى من دون أي عداء للثانية، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ تشير صلاة الكدیش التي سيؤديها إلى "إسرائيل" ثلاث مرات، وكان اليهود يُسمون "عام يسرائيل" أي شعب إسرائيل قبل قرون من تسميتهم يهودًا، وأنه سيوجه وجهه وفق التقليد نحو الشرق أي نحو ​القدس​، وأن كتاب الصلاة في يده سيكون مليئًا بالإشارات إلى القدس وإلى صهيون، معبرًا بمئة طريقة شعرية عن شوق للعودة، وأن هذا ليس أمرًا سياسيًا جديدًا بل ما يقوله اليهود ويفعلونه منذ آلاف السنين، فقبل أن تكون الصهيونية حركة سياسية بقرون كثيرة كانت شوقًا وحاجة لإنهاء المنفى المؤلم من أرض إسرائيل، متجسدًا في قلب اليهودية.

ولفت الكاتب إلى أن من الأسباب التي تجعل لغة "​الاستعمار الاستيطاني​" الواردة في قرار "الخضر" لا تناسب الصهيونية، أن الفرنسيين حين استوطنوا الجزائر لم يعودوا إلى الأرض التي وُلد فيها الشعب الفرنسي والتي كانت الفرنسية تُتحدث فيها قبل ألفي عام والتي اشتاق إليها الفرنسيون المشتتون والمضطهدون بعنف للعودة إليها ألفي عام، وأنه لهذا السبب أيضًا، رغم وجود يهود معادين للصهيونية، يصعب إيجاد كنيس خارج أطر التطرف الأرثوذكسي لا يعرّف نفسه بطريقة ما بالصهيونية، لا بهذه الحكومة الإسرائيلية أو تلك السياسة، بل بالفكرة والحلم بعودة اليهود إلى وطنهم القديم، وأن ذلك الحلم أصبح مسألة بقاء إنساني أساسي بعد أن بلغ تاريخ اضطهاد دموي ذروته قبل ثمانية عقود في قتل ستة ملايين يهودي على يد النازيين ومتعاونيهم في أوروبا، وأن الحاجة إلى ملجأ من معاداة السامية هي ما يريد مقدمو قرار الأحد إعلانه عنصرية.

وأشار الكاتب إلى أن مجموعة من "الخضر" اليهود حاولت تنبيه رفاقهم إلى هذه المخاطر وطلبت تعديلًا يسمح لليهود بالذهاب إلى الكنيس لكنها رُفضت، وأن يهوديًا معاديًا للصهيونية تمامًا نهض ليتحدث في ورشة عمل للحزب الأسبوع الماضي فصُوّت عليه بالصراخ بعبارة "صهيوني"، وأن بولانسكي، وهو يهودي نفسه ودعا إلى تعديل القرار، يقول إن هناك حلًا بسيطًا: إذا ندّد اليهود بإسرائيل بالصيغ المطلوبة ووافقوا على إدانة "الاحتلال... والفصل العنصري... والإبادة الجماعية"، فسيُتركون في حالهم، لكن القرار نفسه يصرّ على أكثر من ذلك، إذ سيكون على اليهود للامتثال أن ينكروا أي صلة بوطنهم التاريخي، وأن هذه كانت غالبًا سمة من سمات معاداة السامية: قرنًا بعد قرن يُقال لليهود إنهم لو تبرؤوا من هذا الاعتقاد أو تلك الممارسة، ولو قالوا هذه الكلمات فقط، فسيُقبلون في المجتمع المهذب، فحيث كان يُقال لليهود ذات يوم اعتنقوا المسيح، يُقال لهم الآن تبرؤوا من البلد اليهودي الوحيد في العالم، والمطلب تغيّر لكن الدافع هو نفسه.

وخلص الكاتب إلى أنه في كل جيل يعتقد من يطالبون اليهود بهذه المطالب أنهم يعملون في سبيل قضية عادلة، فمضطهدو محاكم التفتيش المسيحيون كانوا متأكدين أنهم يكرّمون المسيح، و"الخضر" اليوم متأكدون أنهم يخدمون قضية مكافحة العنصرية حتى وهم يطاردون أقلية صغيرة ويشوهون سمعتها ويخجلونها، وأن على أي عضو في حزب "الخضر" يصوّت لهذا القرار أن يتأمل هذا التاريخ وأن يفكر في الصحبة التي ينضم إليها، فهي ستمتلئ بأشخاص يحتقرهم، لكنه سيكون في مكانه المناسب بينهم.