يتكرر الحديث منذ سنوات عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني، وعن مصارف ستستمر وأخرى قد تحتاج إلى إعادة رسملة أو دمج، وربما مؤسسات لن يكون أمامها سوى الخروج من السوق. لكن قبل تحديد أسماء الرابحين والخاسرين، ثمة سؤال يسبق كل ذلك: كيف يمكن معرفة أي مصرف قابل للحياة فعلًا إذا لم تُحسم بعد القيمة الحقيقية لأصوله؟
فالمصرف قد يبدو سليمًا وفق أرقامه المحاسبية، لكن الصورة يمكن أن تنقلب بالكامل عند إعادة تقييم موجوداته وفق ما يمكن تحصيله فعلًا. ومن هنا تصبح العلاقة بين إعادة هيكلة المصارف وقانون الفجوة المالية أكثر من مجرد تزامن بين قانونين.
الآلة موجودة ولكن ماذا عن الأرقام؟
تشرح مصادر مطلعة عبر "النشرة" أن قانون إعادة هيكلة المصارف يوفر، عمليًا، "الآلة" التي تسمح بالتعامل مع البنك المتعثر، فيما يفترض بقانون الفجوة المالية أن يوفر جزءًا أساسيًا من "الأرقام" التي ستدخل إلى هذه الآلة.
فالأول يضع الإطار الذي يسمح بتحديد مصير المصرف، سواء عبر إعادة رسملته أو إعادة هيكلته أو دمجه أو اللجوء إلى خيارات أخرى، بينما يرتبط الثاني بتحديد القيمة الاقتصادية للمطالبات والخسائر وكيفية التعامل معها.
وهذا يجعل المسارين مترابطين: يمكن إنشاء آلية إعادة الهيكلة، لكن يصبح من الصعب اتخاذ قرار نهائي بشأن قابلية مصرف ما للاستمرار قبل معرفة القيمة الفعلية لموجوداته الأساسية.
مصرف سليم على الورق... متعثر في الواقع؟
وتقدم المصادر مثالًا مبسطًا يوضح حجم المشكلة. لنفترض أن مصرفًا يسجل في ميزانيته أصولًا بقيمة عشرة مليارات دولار، في مقابل تسعة مليارات من المطلوبات. حسابيًا، يبدو أن لديه هامشًا إيجابيًا يسمح باعتباره قادرًا على الوفاء بالتزاماته.
لكن ماذا لو كان ستة مليارات دولار من هذه الأصول عبارة عن مطالبات على مصرف لبنان، ثم أظهر تقييم واقعي أن ما يمكن استرداده منها لا يتجاوز ثلاثة مليارات؟
عندها تتغير الميزانية جذريًا، وقد يتحول المصرف الذي بدا سليمًا على الورق إلى مؤسسة تعاني عجزًا فعليًا. وهنا تكمن إحدى العقد الرئيسية في عملية إعادة الهيكلة: ليس الرقم المسجل في خانة الأصول هو المهم وحده، بل القيمة التي يمكن فعليًا استردادها منها.
رأس المال المحاسبي ليس دائمًا رأسمالًا حقيقيًا
وينطبق الأمر نفسه على رأسمال المصرف. فوجود رقم معين تحت بند رأس المال في الميزانية لا يعني بالضرورة أن هذا المبلغ موجود اقتصاديًا وقادر على امتصاص الخسائر. فإذا كانت الأصول التي تقابله مبالغًا في قيمتها، قد يتقلص رأس المال أو يختفي بمجرد إعادة تقييم هذه الأصول بصورة واقعية.
ولهذا، ترى المصادر أن تحديد المصارف القابلة للاستمرار لا يمكن أن يستند فقط إلى الميزانيات بصورتها الحالية، بل يحتاج إلى تقييم معمّق لنوعية الأصول وقيمتها الفعلية.
وهذا التقييم هو الذي يفترض أن يحدد لاحقًا ما إذا كان المصرف يحتاج فقط إلى زيادة في رأس المال، أو إلى شريك أو عملية دمج، أو إذا كانت خسائره وصلت إلى مستوى يجعل استمراره بشكله الحالي غير ممكن اقتصاديًا.
التدقيق قبل الحكم على المصارف
لكن تقييم الأصول ليس سوى جزء من الصورة. فبحسب المصادر، تحتاج عملية إعادة الهيكلة أيضًا إلى فحص معمق للميزانيات وبعض العمليات التي جرت خلال السنوات السابقة، بما في ذلك التعاملات مع أطراف مرتبطة بالمصرف، ونقل الأصول، وتوزيعات الأرباح، والضمانات الممنوحة، والديون التي أعيدت هيكلتها أو جرى التخلي عنها، وأي عمليات أخرى يمكن أن تكون أثرت في الموجودات المتاحة.
والهدف ليس فقط اكتشاف حجم الخسارة، بل الفصل بين خسارة اقتصادية أصبحت غير قابلة للاسترداد وبين أموال أو أصول قد يكون من الممكن استعادتها عبر الوسائل القانونية إذا ثبت وجود عمليات تسمح بذلك.
وهذا يعني أن الميزانية النهائية التي سيُبنى عليها قرار مصير أي مصرف قد تختلف عن الميزانية التي تظهر اليوم على الورق.
البقاء ليس حقًا مكتسبًا
من هنا، تحذر المصادر من التعامل مع إعادة هيكلة القطاع على أنها عملية هدفها الحفاظ على جميع المصارف القائمة. فنجاح إعادة الهيكلة لا يُقاس بعدد المؤسسات التي احتفظت بتراخيصها، بل بقدرة المصارف التي ستبقى على امتلاك رأسمال حقيقي وأصول يجري تقييمها بصورة سليمة وحوكمة موثوقة، والأهم استعادة قدرتها على القيام بالوظيفة الأساسية للمصرف: استقبال الأموال وتمويل الاقتصاد ومنح الائتمان.
وبالتالي، قد تتمكن بعض المصارف من إعادة الرسملة والاستمرار، وقد تحتاج أخرى إلى الاندماج أو نقل جزء من أصولها والتزاماتها، فيما قد يتبين أن مؤسسات أخرى لم تعد قابلة للحياة.
وخروج مصرف غير قابل للاستمرار من السوق لا يعني بالضرورة إضعاف القطاع، بل قد يكون أحد شروط إعادة بنائه أصغر وأكثر قدرة على أداء وظيفته.
السؤال الذي يسبق إعادة الهيكلة
بعد سنوات من الأزمة، لم يعد كافيًا وضع إطار قانوني يحدد ماذا نفعل بالمصرف المتعثر. فقبل تشغيل هذا الإطار، يجب أن نعرف على أي أرقام سيُبنى القرار. وهنا تصبح الفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف وجهين لمسألة واحدة: الأولى تساعد على كشف الحجم الاقتصادي الحقيقي للخسائر وقيمة الأصول، والثانية تحدد كيفية التعامل مع المؤسسات على ضوء هذه الحقيقة.
لذلك، قبل السؤال عن عدد المصارف التي ستبقى في لبنان، قد يكون السؤال الأكثر دقة: كم مصرفًا سيبقى قابلًا للحياة عندما تنتقل أرقامه من القيمة المسجّلة في الدفاتر إلى القيمة التي يمكن تحصيلها فعلًا؟
عندها فقط يمكن معرفة من يحتاج إلى رسملة، ومن يمكن دمجه، ومن يستطيع الاستمرار، ومن لم يعد لديه أساس اقتصادي للبقاء.