جدّد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشّيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، الدّعوة إلى "الوحدة والتضامن والتكافل الاجتماعي في هذه الظروف الصعبة"، مشيرًا إلى أنّ "ذلك لا يعفي الدّولة من مسؤوليّاتها وواجباتها تجاه النّاس، وخاصةً النّازحين والمهجّرين".
ولفت، في خطبة الجمعة، إلى أنّ "في هذه اللّحظة اللّبنانيّة الشّديدة التعقيد، لا تكفي مقاربة الأحداث من زاوية واحدة. فلبنان يعيش أزمة دولة قبل أن يعيش أزمة حكومة، وأزمة ثقة قبل أن يعيش أزمة ماليّة، وأزمة سيادة قبل أن يعيش أزمة حدود. ولعل السّؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل نعيش في لبنان بدستور كامل، أم بدستور يُطبَّق منه ما يناسب موازين القوى، فيما تُؤجَّل البنود الأخرى إلى أجل غير مسمّى؟".
وأوضح الشّيخ الخطيب أنّه "منذ إقرار الإصلاحات الدستورية المنبثقة من اتفاق الطائف عام 1990، أصبح لدينا نصّ دستوري واضح المعالم في كثير من القضايا، ولكنّ المشكلة لم تكن دائمًا في غياب النّصّ، بل في الانتقائيّة في تطبيقه".
وذكر أنّ "وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ"اتفاق الطائف" تتحدّث عن دولة واحدة، وعن بسط سلطة الدّولة اللّبنانيّة على كامل أراضيها بعد انهاء الاحتلال الإسرائيلي بكلّ الوسائل المتاحة، وعن اللّامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وعن إلغاء الطائفية السياسية كهدف وطني، وعن إصلاحات قضائيّة ومؤسّساتيّة متعدّدة".
وتابع: "لكنّ ما حدث كان تنفيذ بعض بنود دستور "الطائف"، وتعطيل أو تأجيل بنود أخرى. أُعيدَ تشكيل النّظام السّياسي على قاعدة المناصفة، وأُعيد توزيع الصلاحيّات بين السّلطات، لكنّ الإصلاح السّياسي بقي ناقصًا"، مبيّنًا أنّ "اللامركزية الإدارية الموسعة بقيت هدفًا أكثر منها واقعًا متكاملًا. أمّا إلغاء الطائفيّة السّياسيّة الوارد في المادّة 95 من الدّستور، الّتي نصت على العمل لتحقيقه ضمن خطة مرحليّة، فما زال بعيدًا عن الاكتمال".
كما ركّز الخطيب على أنّ "من هنا، يمكن القول إنّ لبنان يعيش، في جانب أساسي من حياته السّياسيّة، مشكلة "نصف دستور"، ليس بمعنى أنّ الدّستور غير موجود، بل بمعنى أنّ بعض أحكامه أصبحت ممارسة راسخة، فيما بقيت أحكام أخرى مؤجّلة أو رهينة التوافق السّياسي".
وشدّد على أنّ "هنا تكمن المفارقة. الدّستور يفترض أن يكون المرجعيّة العليا الّتي تضبط الحياة السّياسيّة، بينما التوازنات السّياسيّة والطائفيّة تتحوّل في لبنان أحيانًا إلى عامل يحدّد مقدار ما يُطبَّق من الدّستور. وهذا يقود إلى مشكلة أخطر: فعندما يصبح التوافق السّياسي بديلًا من المؤسّسات، تتحوّل الدّولة من دولة قوانين إلى دولة تسويات".
ورأى أنّ "التسويات ليست سيّئة في ذاتها، فلبنان بلد متنوّع ولا يمكن إدارته إلّا بالتوافق. لكنّ التوافق يصبح مشكلةً عندما يتحوّل من وسيلة لحماية الاستقرار إلى وسيلة لتعطيل الإصلاح والمحاسبة". وأفاد بأنّ "صندوق النقد الدولي حذّر في تقريره لعام 2026، حول الحوكمة والفساد في لبنان، من نقاط ضعف مؤسّساتيّة، ومن ثغرات في الحوكمة والرّقابة وسيادة القانون والإدارة الماليّة، معتبرًا أنّ هذه العوامل تعرقل التعافي الاقتصادي والنّمو الشّامل".
وأضاف الخطيب: "إذن، المسألة ليست فقط أنّ لبنان يحتاج إلى قوانين جديدة. بل يحتاج قبل ذلك إلى تطبيق القوانين الموجودة. لبنان لا تنقصه النّصوص بمقدار ما تنقصه القدرة السّياسيّة والمؤسّساتيّة على تحويل النّص إلى ممارسة".
وأشار إلى أنّه "حتى لو انتهت الحرب غدًا، وحتى لو انسحبت القوّات الإسرائيليّة، وحتى لو نجحت المفاوضات المباشرة الّتي لم نؤيّدها، فإنّ لبنان لن يستعيد عافيته تلقائيًّا. هناك أزمة اقتصاديّة وماليّة عميقة عمرها سنوات، وهناك قطاع مصرفي يحتاج إلى إعادة هيكلة، وهناك خسائر ماليّة وحقوق للمودعين، وهناك دين عام وبنية تحتيّة تحتاج إلى إعادة بناء، وهناك مؤسّسات عامّة تحتاج إلى إصلاح، وهناك مواطن لبناني لم يعُد قادرًا على تحمّل مزيد من الضرائب والأسعار وتراجع الخدمات".
ولفت إلى أنّ "الأزمة ليست مجرّد أرقام في تقارير المؤسّسات الدّوليّة. الأزمة هي راتب لا يكفي، وعائلة لا تعرف كيف تدفع فاتورة الكهرباء، وشاب لا يجد فرصة عمل، ومودع ينتظر أمواله، ومؤسّسة صغيرة تكافح للبقاء، ومواطن يدفع ضرائب ورسوم، ولا يحصل في المقابل على خدمات عامة بالمستوى المطلوب".
وذكر الخطيب الحكومة تواجه ظروفًا استثنائيّةً وحربًا وأضرارًا اقتصاديّةً هائلة، ولا يجوز تحميلها وحدها مسؤوليّة أزمة تراكمت عبر سنوات. لكن هذا لا يعفيها من المسؤوليّة عن خياراتها الحاليّة"، معتبرًا أنّ "المشكلة أنّ اللّبناني يريد أن يرى خطةً واضحة. يريد أن يعرف: ماذا سيحدث للودائع؟ متى ستعاد هيكلة المصارف؟ كيف سيتمّ توزيع الخسائر؟ كيف ستُحمى الفئات الأكثر ضعفًا؟ كيف ستتمّ إعادة إعمار المناطق المتضرّرة؟ كيف ستتمّ زيادة الإيرادات من دون سحق الطبقة الوسطى؟ كيف سيتوقّف الهدر والتهرب الضريبي والفساد؟ وكيف ستتحوّل الإصلاحات من عناوين في البيانات إلى قوانين وممارسات؟".
إلى ذلك، أوضح أنّ "في ضوء كلّ ما يجري، نحن أمام نموذجين: الأوّل هو استمرار لبنان في إدارة أزماته بالترقيع: تسوية سياسيّة هنا، تأجيل قانون هناك، حلّ موقّت لمشكلة المصارف، زيادة موقّتة في الأجور، مساعدة دوليّة بعد كلّ أزمة، مفاوضات بعد كلّ حرب، ووقف إطلاق نار لا يتحوّل إلى سلام مستدام. وهذا النّموذج يبقي لبنان في حالة انتظار دائم".
وفسّر أنّ "النّموذج الثّاني فهو الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدّولة. وهذا يعني تطبيق الدّستور كاملًا لا انتقائيًّا، واستكمال الإصلاحات الّتي نصّ عليها اتفاق الطائف، وتعزيز استقلال القضاء والرّقابة والمحاسبة، وبناء إدارة عامّة على أساس الكفاءة، وتعزيز اللامركزيّة الإداريّة ضمن وحدة الدّولة، ودعم الجيش والقوى الشّرعيّة كي تصبح الدّولة قادرة على حماية حدودها".
وشدّد الشّيخ الخطيب على أنّ "الحلّ هو أيضًا بإنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيليّة وفق القانون الدّولي والقرارات الدّوليّة، والتعامل مع مسألة سلاح المقاومة ضمن استراتيجيّة دفاعيّة وطنيّة واضحة لا ضمن نزاع داخلي، وإصلاح القطاع المصرفي وحماية حقوق المودعين وفق قواعد عادلة وقابلة للاستدامة، وبناء شبكة حماية اجتماعيّة حقيقيّة، ومكافحة الفساد لا كشعار انتخابي بل عبر مؤسّسات مستقلّة وفعّالة".
ورأى أنّ "المشكلة اللّبنانيّة اليوم ليست فقط أنّ إسرائيل تحتلّ أجزاء من أرضنا، ولا أنّ هناك سلاحًا خارج الدّولة، ولا أنّ الاقتصاد يعاني، ولا أنّ الحكومة تواجه ضغوطًا ماليّة. المشكلة الأعمق هي أنّ الدولة اللبنانية نفسها لم تكتمل بعد. فلدينا دستور، لكن تطبيقه غير مكتمل. ولدينا مؤسّسات، لكن فعاليتها متفاوتة".
وركّز على أنّ "لهذا، فإنّ السّؤال الحقيقي ليس: هل نحن مع هذه الحكومة أم ضدّها؟ ولا هل نحن مع هذا الفريق أم ضدّ ذاك؟ وإنّما هو: هل نريد دولة كاملة، أم نستمر في إدارة لبنان بنصف دولة ونصف دستور ونصف حلول؟"، مبيّنًا أنّ "الدّولة الكاملة لا تعني دولة ضدّ طائفة أو حزب أو منطقة، وإنّما تعني دولة فوق الجميع، تحمي الجميع، وتحاسب الجميع، وتخضع هي نفسها للقانون. والحكومة لا ينبغي أن تكون بديلًا عن المؤسّسات، والمساعدات الخارجية لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الإصلاح".
وختم الخطيب: "التحدّي اليوم هو أن نحوّل النّصّ إلى مؤسّسات، والمؤسّسات إلى دولة، والدّولة إلى حماية حقيقيّة للمواطن".

















































