قد تمتلك الدولة حاملات الطائرات والصواريخ والمقاتلات، وقاعدة صناعية متقدمة وشبكة واسعة من التحالفات. لكن الحروب الطويلة تطرح سؤالًا أقل ظهورًا على الخرائط العسكرية: كم تبلغ كلفة إبقاء هذه القوة في الميدان، وكم من الوقت تستطيع الدولة تمويلها إذا طال الاستنزاف؟
عاد هذا السؤال بقوة مع الاضطراب الذي أصاب أسواق السندات العالمية. ففي الأول من تشرين الأول 2026، لامس عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ 2002، بعد أداء فصلي للسندات الأميركية منذ 1994. وامتدت موجة ارتفاع العوائد إلى بريطانيا وفرنسا واليابان، قبل أن تهدأ السوق جزئيًا مع عودة بعض المستثمرين. ما يحدث الآن ليس انهيارًا في سوق السندات، بل إعادة تسعير واسعة لكلفة المال في الاقتصاد العالمي.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في مستوى 5.34% بعد ذاته؛ فالعوائد تتحرك مع التضخم والنمو وقرارات البنوك المركزية وتوقعات المستثمرين. المسألة الأعمق أن العالم يدخل مرحلة تتزامن فيها ديون مرتفعة، وقائدة مرتفعة، وحاجات استثمارية واستراتيجية هائلة: الدفاع، والطاقة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، وإعادة بناء سلاسل التوريد.
وهنا تبدأ الفائدة بالخروج من حدود السياسة النقدية لتصبح جزءًا من حساب القوة.
لا تُمول الحرب مرة واحدة. في اليوم الأول يمكن قياس القوة بعدد الطائرات والصواريخ والسفن، لكن حرب الاستنزاف تقيس شيئًا مختلفًا: معدل إعادة إنتاج القوة.
فالسؤال ليس كم صاروخًا تمتلك الدولة، بل كم تستطيع تصنيعه وشراءه واستبداله بعد ستة أشهر أو سنة. وليس حجم الموازنة العسكرية وحده، بل قدرة الخزانة والاقتصاد والقاعدة الصناعية على تمويل الذخائر والطاقة والصيانة والتكنولوجيا، بالترامن مع التقاعد والصحة والبنية التحتية وخدمة الدين.
ولا يعني ارتفاع العوائد أن الدولة تفقد قدرتها العسكرية فجأة. كما أن الدين القائم لا يُعاد تمويله كله بالسعر الجديد في يوم واحد. الأثر تراكمي: تسحق سندات قديمة منخفضة الكلفة، وتُستبدل تدريجيًا بدون أعلى فائدة. وإذا استمرت هذه البيئة سنوات، تستحوذ خدمة الدين على حصة متزايدة من الموارد، ويصبح لكل قرار استراتيجي ثمن مالي وسياسي أعلى.
أميركا: امتياز مالي ليس مجانيًا
تبدأ الولايات المتحدة من موقع لا يشبه معظم الاقتصادات. فالدولار لا يزال العملة الاحتياطية الرئيسية، وسوق الخزانة الأميركية هي الأعمق والأكثر سيولة عالميًا، ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على الاقتراض وتعبئة رأس المال.
لكن هذه الأفضلية لا تلغي الحساب المالي. يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبلغ الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور نحو 101% من الناتج في 2026، وأن ترتفع مدفوعات الفائدة الصافية من نحو 3.3% من الناتج، إلى 2.1 تريليون دولار و4.6% من الناتج في 2036 إذا استمرت السياسات الحالية.
وللمفارقة، لا يبقى ارتفاع العائد الأميركي شأنًا أميركيًا. فسندات الخزانة تشكل مرجعًا عالميًا لتسعير رأس المال؛ وعندما يستطيع المستثمر الحصول على عائد مرتفع من أصل شديد السيولة، يصبح على الشركات والدول الأكثر مخاطرة أن تدفع أكثر لجذب الأموال نفسها.
ومنذ 2024 أصبحت مدفوعات الفائدة الأميركية، وفق المقارنة التي يعتمدها المؤرخ الاقتصادي نيل فيرغسون، أعلى من الإنفاق الدفاعي. وقد صاغ فيرغسون ما يسميه "قانون فيرغسون"، معتبرًا تجاوز كلفة خدمة الدين للإنفاق الدفاعي مؤشر خطر تاريخيًا على قدرة القوى الكبرى على المحافظة على نفوذها. لكنها تبقى أطروحة تاريخية قابلة للنقاش، وليست قانونًا اقتصاديًا حتميًا: فمصير القوة يتحدد أيضًا بالنمو والإنتاجية والتكنولوجيا والمؤسسات والقدرة الضريبية.
أوروبا: الأمن في مواجهة الحيز المالي
المعضلة أكثر وضوحًا في أوروبا، حيث تزامن الحاجة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي ودعم أوكرانيا وتأمين الطاقة والاستثمار في التكنولوجيا مع مستويات مرتفعة من الدين والعجز في عدد من الاقتصادات.
فرنسا أصبحت إحدى أبرز نقاط الاختبار. فارتفاع عوائدها واتساع الفارق بينها وبين السندات الألمانية لا يعني أن باريس أمام تكرار لأزمة اليورو، لكنه يكشف أن المستثمرين يطلبون علاوة أعلى مقابل المخاطر المالية والسياسية. وتخطط فرنسا لإصدار رقم قياسي يقارب 340 مليار يورو من الديون في 2027 لتمويل العجز وإعادة تمويل سندات مستحقة، بالتزامن مع إجراءات لخفض العجز.
وهنا تظهر المفارقة الأوروبية: القارة مطالبة بإنفاق المزيد كي تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، لكن ارتفاع كلفة التمويل يجعل بناء تلك القدرة نفسها أكثر تكلفة.
روسيا: الدين المنخفض لا يعني التمويل الرخيص
روسيا تكشف وجهًا آخر للمعادلة. فبرغم أن دينها العام يبقى منخفضًا نسبيًا مقارنة بكثير من الاقتصادات الغربية، فإن كلفة التمويل المحلية مرتفعة، بينما حدّت العقوبات من الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية.
أبقى بنك روسيا سعر الفائدة الرئيسي عند 14% في أيلول، في ظل ارتفاع جديد في الضغوط السعرية وتأثير أسعار الوقود، مع تحذيره من أن مسار السياسة المالية قد يستدعي سياسة نقدية أكثر تشددًا إذا اتسع العجز الهيكلي.
وفي الوقت نفسه، رُفع تقدير عجز الموازنة الروسية لعام 2026 من 1.6% إلى نحو 3.2% من الناتج. وتخطط موسكو لرفع الإنفاق الدفاعي في 2027 إلى 17.1 تريليون روبل، بزيادة 27%، مع زيادة الضرائب للحد من اتساع الفجوة المالية.
والدرس هنا أن القيد المالي لا يُقاس بحجم الدين وحده. عملة الدين، وسعر الفائدة، وعمق السوق، وقاعدة المستثمرين وآجال الاستحقاق قد تكون أكثر أهمية من النسبة المجردة للدين إلى الناتج.
أسواق السندات لا تمنع روسيا من مواصلة الحرب، لكنها تجعل استمرارها أكثر كلفة وتفرض مفاضلات أشد بين الأولويات العسكرية والاقتصاد المدني.
الصين: قدرة مختلفة وكلفة مختلفة
تمثل الصين نموذجًا ثالثًا. فنظامها المالي يجمع السوق مع دور واسع للدولة والمصارف الكبرى، فيما توفر المدخرات المحلية المرتفعة قاعدة كبيرة للتمويل الداخلي. وهذا يمنح بكين قدرة أكبر على توجيه الائتمان نحو القطاعات التي تعتبرها استراتيجية، ويقلل اعتمادها النسبي على رأس المال الخارجي.
لكن ذلك لا يجعل رأس المال بلا كلفة. فقد حذر صندوق النقد من أن توجيه التمويل إلى مقترضين وقطاعات أقل إنتاجية يمكن أن يرفع المديونية ويضعف كفاءة تخصيص الموارد. أي أن الصين لا تتجاوز القيود المالية؛ بل تظهر هذه القيود لديها بصورة مختلفة: ليس فقط في سعر الفائدة، بل في نوعية الاستثمار والعائد الذي يولده كل يوان من الائتمان.
والأهم أن هذه البنية لم تُختبر بعد تحت شروط حرب كبرى طويلة تستنزف التجارة والطاقة والموازنة وسلاسل التوريد في وقت واحد.
الذكاء الاصطناعي ينافس في الحرب رأس المال
هناك أيضًا منافس جديد على التمويل. فثورة الذكاء الاصطناعي لم تعد قصة برمجيات ونماذج فقط؛ إنها مشروع رأسمالي هائل يحتاج إلى مراكز بيانات ورقائق ومحطات كهرباء وشبكات وتبريد وبنية سحابية.
وهكذا تتقاطع في أسواق المال حاجات الحكومات إلى تمويل الدين والدفاع والطاقة مع حاجات الشركات إلى تمويل سباق الحوسبة. لم يعد سباق القوة العسكرية منفصلًا تمامًا عن سباق القوة التكنولوجية؛ كلاهما يحتاج إلى الكهرباء والمصانع وسلاسل التوريد، وقبل ذلك إلى رأس المال.
وهذا يفسر جزءًا من التحول البنيوي في سوق السندات: عدد أكبر من الحكومات والشركات يطلب كميات أكبر من التمويل، في وقت يستطيع فيه المستثمر أن يطالب بعائد أعلى مقابل توفيره.
الطاقة تغلق الدائرة
ثم تأتي الطاقة لتربط الحرب بالتضخم والفائدة.
قالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك في الأول من تشرين الأول إن أسعار الديزل والبنزين وقود الطائرات أصبحت أعلى بنسب تتراوح بين 60% و97% من مستويات ما قبل الصراع، في ظل خسارة جزء من قدرات التكرير في الخليج وعمل مراكز التكرير البديلة قرب طاقتها القصوى. كما أكد الصندوق أن صدمة الطاقة لا تزال تغذي التضخم العالمي.
والسلسلة واضحة: الحرب واضطراب الممرات يرفعان كلفة الطاقة؛ وارتفاع الطاقة يغذي التضخم؛ والتضخم يجعل خفض الفائدة أصعب؛ والفائدة المرتفعة تزيد تدريجيًا خدمة الدين.
وهكذا تستطيع الحرب أن ترسل فاتورتها إلى دول لا تشارك فيها أصلًا. فقد تصل الصدمة لا في صاروخ، بل في سعر الوقود، وعائد السند، وكلفة إعادة تمويل الدين.
من يستطيع تمويل الضربة المئة؟
اعتقدنا أن نضع النفط والغاز والرقائق والمعادن والخرجة والممرات البحرية ضمن الموارد الاستراتيجية. لكن المرحلة الراهنة تفرض إضافة مورد آخر: القدرة المستدامة على تعبئة رأس المال بكلفة يمكن تحملها.
ولا تتساوى الدول في امتلاك هذا المورد. فهو يعتمد على عملة الدين وآجاله، وعمق السوق، والمدخرات المحلية، وقاعدة المستثمرين، والقدرة الضريبية، ومصداقية المؤسسات، والأهم قدرة الاقتصاد على إنتاج النمو الذي يسمح بحمل الدين مستقبلًا.
أسواق السندات لا تقرر الحرب والسلم. والدول تستطيع رفع الضرائب، وإعادة ترتيب الإنفاق، وزيادة الاقتراض، واستخدام الاحتياطات أو اللجوء إلى البنوك المركزية في ظروف معينة. لكن كل خيار يحمل ثمنًا. وكلما طال الصراع أصبح هذا الثمن جزءًا أكبر من حساب القوة.
في الحرب القصيرة قد تحسم الطائرات والصواريخ الجولة الأولى. أما في الاستنزاف الطويل، فتظهر القوة في قدرة الدولة على تمويل الذخيرة والطاقة والمصانع والتكنولوجيا وخدمة الدين في الوقت نفسه، من دون أن تتحول فاتورة القوة إلى أزمة اقتصادية واجتماعية داخلية.
فالضربة الأولى تقيس ما راكمته الدولة من قوة. أما الضربة المئة، فتكشف قدرتها على إعادة إنتاج تلك القوة ومن سيدفع ثمنها.
*باحث في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي






















































