تتصاعد المخاوف الفلسطينية من مستقبل وكالة ​الأونروا​، في ظل الضغوط السياسية والمالية المتواصلة التي تواجهها، وما يرافقها من خشية من تقليص خدماتها أو نقل بعض مهامها إلى جهات دولية بديلة. ولا تقتصر تداعيات هذه المخاوف على الجانب الإغاثي، بل تمتد إلى مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم، وفي مقدمتها ​حق العودة​، في ظل استمرار اللجوء من دون حل سياسي عادل.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ​لبنان​، حيث يعيش ​اللاجئون الفلسطينيون​ أوضاعًا إنسانية واقتصادية صعبة، تتفاقم بفعل تداعيات ​الأزمة الاقتصادية​ والقيود المفروضة على فرص العمل والحقوق الاجتماعية. ومع اعتماد قطاعات واسعة منهم على خدمات الأونروا ومساعداتها، فإن أي تراجع إضافي في دور الوكالة من شأنه أن يزيد الأعباء المعيشية على العائلات، ويوسّع الفجوة بين احتياجاتها الأساسية والإمكانات المتاحة لتلبيتها، في ظل غياب بدائل قادرة على تعويض النقص المحتمل.

ووفقَ مصادر فلسطينية لـ"النشرة"، فإن أهمية الأونروا لا تنحصر في حجم المساعدات التي تقدمها، بل تشمل دورها بوصفها مؤسسة أممية أُنشئت لرعاية اللاجئين الفلسطينيين وتقديم الخدمات لهم. ومن هنا، تتجاوز المخاوف مسألة تقليص الموازنات أو تراجع مستوى الخدمات، لتشمل انعكاسات ذلك على واقع اللجوء ومستقبل اللاجئين، في وقت لا تزال فيه قضيتهم تنتظر حلًا سياسيًا عادلًا يضمن حقوقهم.

​توزيع الطحين​

في ظل هذه الهواجس، جاء توزيع خمسة كيلوغرامات من الطحين لكل عائلة فلسطينية في المخيمات وخارجها، إضافة إلى ربطات من الخبز، ليثير نقاشًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية بين الحاجة المعيشية ومخاوف تراجع الإغاثة، عقب وصول هبة تركية بلغت ألفي طن من الطحين، بدعم من ​هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية​، وبالتعاون مع الأونروا.

وتباينت مواقف اللاجئين من المساعدة بين مرحّب بها، نظرًا إلى الحاجة المعيشية الملحّة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، وبين من رأى أن الكمية الموزعة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات، ولا تلبي الحد الأدنى من متطلبات العائلات التي تواجه صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.

لكن النقاش لم يتوقف عند حجم المساعدة أو مدى كفايتها، بل امتد إلى دلالاتها في ظل المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل الدور الإغاثي للأونروا. ورأت مصادر فلسطينية لـ"النشرة" أن الخطوة تثير تساؤلات بشأن طبيعة المساعدات التي سيحصل عليها اللاجئون في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت الاستجابة للاحتياجات الإنسانية ستظل قادرة على مواكبة الأعباء المعيشية المتنامية، في ظل الضغوط المالية والسياسية التي تواجه الوكالة.

وتواجه الأونروا منذ سنوات صعوبات تمويلية متزايدة انعكست على قدرتها على تلبية احتياجات اللاجئين في مناطق عملياتها، ومنها لبنان. وفي حين يرتبط مستوى الخدمات التي تقدمها الوكالة بتوافر التمويل اللازم، فإن استمرار العجز المالي يثير مخاوف من اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتنامية والإمكانات المتاحة.

وعليه، لا يمكن اختزال الجدل حول توزيع الطحين في مسألة مساعدة غذائية محدودة، كما لا تكفي هذه الخطوة وحدها للحكم على مستقبل خدمات الوكالة أو طبيعة التحولات التي قد تطرأ عليها. إلا أنها أعادت تسليط الضوء على سؤال أساسي يشغل اللاجئين: إلى أي مدى ستبقى الأونروا قادرة على تلبية احتياجاتهم؟

الإغاثة لا تحلّ قضية اللجوء

وبين المخاوف من تراجع خدمات الأونروا والجدل حول توزيع الطحين، تتكشف جوانب متعددة من الأزمة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. ف​المساعدات الغذائية​، على أهميتها في مواجهة الحاجة اليومية، لا تستطيع وحدها معالجة الأعباء المعيشية المتراكمة، كما أن استمرار الخدمات الأساسية يبقى مرتبطًا بقدرة الأونروا على تأمين التمويل اللازم لمواصلة دورها.

وتتمثل الخلاصة في أن هذه الملفات، وإن اختلفت أسبابها ومساراتها، تلتقي عند ضرورة حماية ​حقوق اللاجئين​ وتعزيز صمودهم، من خلال الحفاظ على دور الأونروا واستمرار خدماتها، وتوفير مقومات الحياة الكريمة. فالأونروا ليست مجرد جهة لتوزيع المساعدات، والطحين ليس سوى استجابة محدودة لحاجة يومية، فيما يظل حقهم في العودة جوهر القضية الفلسطينية التي لا يمكن اختزالها في الإغاثة أو إدارة الأزمات.