بغض النظر عن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتضاربة بشأن احتمال معاودة الهجمات على إيران، وتاريخ حصول ذلك، تُعطي الاستعدادات الميدانية الملموسة فكرة أكثر مصداقية عما يُحضَّر للمنطقة في المستقبل القريب. ماذا في التفاصيل؟
حتى تاريخ إعداد هذا المقال، كانت تتواجد حاملة طائرات أميركية واحدة في الشرق الأوسط، هي "يو أس أس جورج واشنطن"، حيث تجوب مياه بحر العرب لتوفير الدعم للعمليات الأميركية في المنطقة. وعلى الرغم من وجود عشرات الطائرات الحربية على متن هذه الحاملة التي ترافقها بطبيعة الحال مجموعة من سفن إطلاق الصواريخ والإمداد اللوجستي، وعلى الرغم من انتشار وحدات قتالية أميركية في قواعد عدة موزعة على دول المنطقة، فإن هذه القوى العسكرية غير كافية لشن حرب ثالثة واسعة النطاق على إيران، ما يؤشر إلى أن المعركة الكبرى مؤجلة. لكن اللافت أن هذا الواقع مرشح لأن يتغير في المستقبل القريب، لتتبدل معه كل المعطيات الأمنية السائدة حاليًا.
وفي هذا السياق، غادرت حاملة طائرة أميركية ثانية هي "يو أس أس ثيودور روزفلت" قاعدة "سان دييغو" في 27 أيلول الماضي متوجهة إلى الشرق الأوسط، حيث يُتوقع وصولها أواخر تشرين الأول الحالي. ومن المرتقب أن تعود حاملة الطائرات "جورج أتش دبليو بوش" الموجودة في تايلاند حاليًا في فترة نقاهة، إلى المنطقة خلال تشرين الثاني المقبل، ليرتفع عند وصولها عدد الحاملات الأميركية الجاهزة للقتال إلى ثلاث. في غضون ذلك، تلقت القيادة المركزية الأميركية توجيهات لاستكمال الاستعدادات لاحتمال تجدد العمليات القتالية الواسعة النطاق ضد إيران. وعلى خط موازٍ، تستمر عمليات نشر منظومات الدفاع الأرضي ضد الصواريخ والمسيّرات، وتعزيز حماية القواعد الأميركية وتلك التابعة للدول الحليفة. وتتواصل أيضًا عمليات نقل الأسلحة والذخائر إلى دول المنطقة، بالتزامن مع توقيع هذه الأخيرة العديد من عقود التسلح مع واشنطن بقيمة مليارات الدولارات، علمًا أن دولة الإمارات العربية المتحدة نالت حصة الأسد من هذه الصفقات. وجرى التركيز بشكل خاص على استيراد ذخائر APKWS، التي هي عبارة عن منظومة متطورة تحوّل الصواريخ التقليدية وغير الموجهة إلى صواريخ ذكية وشديدة الدقة، والأهم منخفضة كلفة التشغيل، بغرض تعزيز قدرات الدفاعات الجوية لدول الإقليم.
لكن كل ما سبق لا يعني أن الحرب صارت حتمية بعد إتمام الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني المقبل، بل يمكن أن يندرج ما يحصل من تحضيرات عسكرية الطابع في إطار الضغط المعنوي على إيران لحملها على تليين مواقفها، من أجل التمكن من الوصول إلى تسوية مقبولة بنظر الإدارة الأميركية. وهذا احتمال وارد من شأنه أن ينقذ كلًا من واشنطن وطهران من الصعوبات التي يعانيان منها، والتي انعكست سلبًا ليس على دول الخليج فحسب، بل على مجمل دول العالم.
إلا أن استمرار الدوران في حلقة مفرغة على صعيد المطالب والمطالب المضادة، ما زال يضعف فرص التوصل إلى اتفاق، على الرغم من الجهود التي يبذلها أكثر من فريق لتقريب وجهات النظر. وهذا التعثر المستمر في إحراز أي نوع من التقدم، بموازاة استمرار ضرب السفن في مضيق هرمز بوتيرة عالية، وكذلك توسيع دائرة الهجمات لتطال مصالح حيوية داخل المملكة العربية السعودية ودول الخليج، من شأنه أن يدفع مجددًا نحو جولة جديدة من الصراع العسكري الشرس.
وفي تقاطع مع ما قاله رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء علي عبد اللهي في تصريح له الأسبوع الماضي: "اعلموا أنه إذا اندلعت حرب جديدة ضد إيران، فإن نيرانها ستطال الجميع"، توجد توقعات أمنية عالية المصداقية أن دول الخليج العربي لن تكون هذه المرة بمنأى عن الحرب الكبرى، بشكل يفوق بأضعاف ما حصل في المرات السابقة. ويتردد خلف الكواليس أن الدول الخليجية لن تكتفي بدورها بمحاولة اعتراض الصواريخ الباليستية وتفجيرها في الجو، وبمحاولة إسقاط المسيّرات الانقضاضية التي تستهدفها، بل ستنخرط في القتال هجوميًا وليس دفاعيًا فقط. يُذكر أن الدول الخليجية تمتلك أسرابًا من الطائرات الحديثة، ومن الصواريخ التي يمكن أن تشكل إضافة مهمة في أي حرب كبرى وشاملة على إيران. وفي المعلومات من خلف الكواليس أيضًا، ستنطلق هذه المعركة العالية الاحتمال بشكل مفاجئ بموجة اغتيالات واسعة داخل إيران تطال أكبر عدد ممكن من القيادات العسكرية والسياسية التي تعارض التوصل إلى اتفاق سلمي مع واشنطن.
في الختام، الخطير أن نتائج المعركة الكبرى غير مضمونة على الإطلاق، وهي قد تكون مؤذية لكثير من دول المنطقة، وليس لإيران وإسرائيل فحسب. لكن الأمور إقليميًا وحتى عالميًا، لم تعد تحتمل المزيد من المماطلة والتسويف، وحان وقت الحسم، علمًا أن الترابط بين الحرب المتجددة في اليمن، والصراع المفتوح مع إيران، مباشر. وبالتالي، فإذا لم يحصل اتفاق في الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة، فالأمور ذاهبة حتمًا نحو جولة قتال ثالثة هي بمثابة "كسر عظم" هذه المرة. فإما تبقى إيران والقوى التي تقودها في المنطقة قادرة على توجيه ضربات مؤلمة لأميركا وحلفائها، وإما يتم فرض المشيئة الأميركية عليها بقوة النيران!






















































