حملت زيارة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى بيروت، الخميس الماضي، رسالتين متكاملتين، لكنهما لا تحسمان السؤال نفسه: الاستعداد لتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية، والتمسّك باستمرار وجود دولي في الجنوب. وبين الرسالتين، برزت مسألة تتجاوز حجم المساعدات والمعدات: تأهيل الجيش لتولي مسؤولياته لا يحسم مصير الوظائف التي تؤديها قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل".
فقد أعلنت كالاس اكتمال التخطيط لبعثة أوروبية يُنتظر أن يؤسسها وزراء خارجية الاتحاد رسميًا، بعد وصول الدعوة اللبنانية. لكنها أكدت أن البعثة لن تحل محل اليونيفيل، ولن يقتصر عملها على الجنوب. وفي موقف موازٍ، أيدت تمديد ولاية القوة الدولية، وشدّدت على ضرورة وجود جهة تتحقق من التزام الطرفين باتفاقاتهما، وهو ما يعكس اختلاف مساري القرار: إنشاء البعثة شأن أوروبي، أما استمرار الوجود الأممي فيحتاج إلى توافق في مجلس الأمن.
هكذا، تطرح أوروبا مسارًا محددًا لبناء القدرات، فيما يبقى مصير المراقبة الدولية قيد البحث. وهنا السؤال الذي يتجاوز حجم الدعم ونوعه: إذا كان الجيش سيتولى الانتشار والسيطرة، فيما ينتظر أن تساعده البعثة الأوروبية على التأهيل، فمن يرث وظيفة المراقبة والتحقق ورفع الوقائع إلى مرجعية دولية، حين تنتهي ولاية اليونيفيل وتبدأ مرحلة انسحابها؟
رسالتان لا تتعارضان
لا يتناقض طرح بعثة أوروبية جديدة مع تأييد تمديد اليونيفيل، لأن لكل منهما وظيفة مختلفة. فالبعثة المرتقبة ستقدم المشورة والمساعدة إلى الجيش وقوى الأمن الداخلي، لتعزيز السيطرة على الأراضي وأمن الحدود والأمن الداخلي، بما يتوافق مع القرار 1701. وهي بذلك مشروع دعم للمؤسسات اللبنانية على مستوى البلاد، وليست قوة فصل بين لبنان وإسرائيل أو جهازًا لمراقبة التزامهما بالاتفاقات.
أما الحاجة إلى وجود دولي في الجنوب، فتتعلق بمهام لا تنتقل تلقائيًا إلى بعثة تدريب. وقد أوضحت كالاس أن صيغة هذا الوجود ما زالت موضع نقاش، وأن مشاركة الدول الأوروبية في قوة دولية تتطلب تفويضًا أمميًا ومهمة واضحة. لذلك، لم تقدّم الزيارة ترتيبًا مكتملًا لمرحلة ما بعد اليونيفيل، وإنما أظهرت أن مسار التأهيل أكثر تقدمًا من مسار تحديد البديل الدولي.
وتكمن أهمية ذلك في التوقيت. فاقتراب نهاية الولاية لا يعني مغادرة القوة دفعة واحدة، لكنه يعني، وفق القرار القائم، وقف عملياتها والانتقال إلى وظائف محدودة خلال الانسحاب. لذلك، لا يضمن بقاء بعض وحداتها استمرار المراقبة والتحقق بالصلاحيات الحالية، ولا يعوّض الاتفاق على ترتيب يتولى هذه المهمة.
وظائف تتوزع بصورة غير متكافئة
يسهل تناول مستقبل اليونيفيل باعتباره مسألة عديد ومواقع وانتشار. لكن وجودها يجمع وظائف مختلفة، تشمل دعم الاستقرار الميداني، والتنسيق والارتباط بين الأطراف، ومراقبة التطورات ضمن نطاق مهمتها، وتوفير معلومات تدخل في التقارير الأممية عن تنفيذ القرار 1701. وهي لا تملك فرض تسوية سياسية، إلا أن دورها يتجاوز مجرد وجود جنود دوليين إلى جانب الجيش.
في الترتيبات المطروحة، يتولى الجيش بسط سلطة الدولة وتنفيذ التزاماتها الأمنية، وتساعده البعثة الأوروبية على تحسين قدرته على أداء هذه المسؤوليات. أما مراقبة الالتزامات المتبادلة من موقع دولي، فلا تظهر حتى الآن وظيفة مضمونة ضمن البديل المعروض. وهذه فجوة يلامسها تحذير كالاس من انتهاء مهمة قبل أن تبدأ المهمة التالية، بما يتجاوز النقص المحتمل في أعداد القوات المنتشرة.
ولعلّ ما يلفت الانتباه أن القرار 2790، الذي مدّد الولاية "للمرة الأخيرة"، طلب من الأمين العام استكشاف خيارات لمرحلة ما بعد الانسحاب، تشمل المساعدة في الأمن ومراقبة الخط الأزرق. وقد قُدّمت خيارات أممية بالفعل في حزيران الماضي، لكن تقديمها لا يعني اعتمادها. أي أن مجلس الأمن حدّد موعد انتهاء المهمة، فيما بقي الاتفاق على الترتيب الذي يخلفها معلّقًا.
المشكلة، إذًا، لا تختزل بالسؤال عن استعداد الجيش لتحمل مسؤوليات أكبر. فقد تتقدم قدراته وانتشاره، بينما تتراجع القدرة الدولية على توثيق الوقائع وتحديد أسباب تعثر التنفيذ. وعندها، يكون الانتقال قد عالج جانبًا من الترتيبات الأمنية وترك جانبًا آخر معلّقًا.
لماذا لا يكفي توثيق الجيش؟
يستطيع الجيش توثيق الاعتداءات والخروقات التي يرصدها، وتقديم حصيلة انتشاره وإجراءاته، والاستعانة بالمعلومات المتاحة لمؤسسات الدولة. لكن هذه القدرة لا تجعله بديلًا كاملًا عن جهة دولية تراقب الالتزامات المتبادلة. فهو مؤسسة تتولى تنفيذ الجانب اللبناني من الاتفاق، وتعمل ضمن حدود الوصول والصلاحيات المتاحة لها.
وحين تحتل إسرائيل أرضًا لبنانية أو تمنع الوصول إلى مواقع معينة، لا يستطيع الجيش إجراء تحقق ميداني فيها بإرادته المنفردة. كما أن التقارير اللبنانية، مهما بلغت دقتها، تبقى تقارير صادرة عن أحد أطراف التنفيذ. وتختلف وظيفتها عن تقرير دولي يُفترض أن يتيح مقارنة الوقائع بروايات الطرفين، وأن يرفعها إلى مرجعية تتجاوز الخلاف المباشر بينهما.
هذا لا يمنح الرواية الدولية عصمة، ولا يلغي القيود التي واجهت اليونيفيل. لكنه يوضح لماذا لا يعالج تحسين قدرات الجيش وحده مشكلة الإثبات. فالنزاع على الاتفاقات يتناول أيضًا ترتيب المسؤوليات: من نفّذ، ومن عرقل، وما إذا كان التأخير يعود إلى تقصير لبناني أو إلى استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
بدائل لكل منها كلفة
أمام هذه الفجوة، تتوزع الخيارات بين الإبقاء على المهمة الأممية القائمة، وإنشاء وجود دولي جديد، وتطوير آلية التحقق المرتبطة باتفاق الإطار. ولكل مسار متطلبات سياسية وحدود عملية تحدد قدرته على أداء الوظيفة المطلوبة.
البديل الأول هو تمديد ولاية اليونيفيل، وهو الخيار الذي أبدت كالاس تفضيله. ميزته الحفاظ على مهمة قائمة ومرجعية معروفة، بدل بناء ترتيب جديد خلال فترة انتقالية. لكنه يحتاج إلى قرار في مجلس الأمن، وبالتالي إلى توافق سياسي لا يكفي التأييد الأوروبي وحده لضمانه.
والبديل الثاني هو وجود دولي جديد بتفويض أممي، يمكن أن يستند إلى الخيارات التي قدمها الأمين العام. هنا، لا يكفي تحديد الدول المستعدة للمساهمة، فالأهم تحديد صلاحيات القوة، ومناطق عملها، وحرية وصولها، وكيفية إعداد تقاريرها. وقد تبدو صيغة جديدة أكثر قبولًا سياسيًا، لكنها تفقد جانبًا أساسيًا من قيمتها إذا احتفظت بالانتشار وتخلت عن أدوات المراقبة، أو بقيت مهمتها ملتبسة.
أما المسار الثالث، فهو تطوير آلية تنفيذ اتفاق الإطار برعاية أميركية. وقد طالب رئيس الحكومة نواف سلام، خلال لقائه السيناتور جيمس لانكفورد في 8 تشرين الأول، بجدول زمني واضح وآلية للتحقق تستندان إلى التبادلية والمرحلية. غير أن المطالبة بهذه الآلية لا تثبت أنها أصبحت جاهزة، ولا أنها ستؤدي جميع وظائف الوجود الأممي.
الفجوة في المرجعية
تكشف هذه البدائل أن النقاش لا يتعلق باسم القوة المقبلة فحسب. المسألة الأساسية هي المرجعية التي توثّق الوقائع، وتوضح مسؤولية كل طرف عن تنفيذ التزاماته، وتمنع اختزال التنفيذ في مطالب تُوجّه إلى لبنان وحده. وقد تتكامل آلية أميركية مع وجود أممي ودعم أوروبي، لكن هذا التكامل يحتاج إلى توزيع واضح للوظائف والصلاحيات.
صحيح أن الدولة والجيش يملكان روايتهما وتقاريرهما، وأن قنوات دبلوماسية تتيح مناقشتها. لكن غياب مرجعية دولية مستقلة يضع هذه الروايات في مواجهة تتفاوت فيها القدرة على الوصول والتأثير، ويزيد صعوبة تثبيت مسؤولية كل طرف عن التعثر. لذلك، فإن الحفاظ على التوثيق الدولي لا يقل أهمية عن تحديد الجهة التي ستنتشر على الأرض.
في النتيجة، أظهرت زيارة كالاس تقدمًا في تأهيل المؤسسات، فيما بقي مستقبل المراقبة الدولية معلّقًا. الجيش الأقوى حاجة لبنانية أساسية، لكن تعزيز قدرته على التنفيذ لا ينشئ تلقائيًا مرجعية للتحقق من التزام الطرفين. وهذه هي الفجوة التي لم تسدّها البعثة الأوروبية: مسار لبناء القدرات يتقدم، وترتيب للمراقبة لم يُحسم بعد.























































