لم تعد المشكلة في إقناع الأمم المتحدة بأهمية استمرار وجود قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، بقدر ما أصبحت في إقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن موقفها الرافض للتمديد. خصوصًا أن واشنطن أعادت تأكيد هذا الموقف في الأيام الماضية، بالتزامن مع استمرار التحرك النيابي الذي يحمل تواقيع 86 نائبًا للمطالبة بإعادة النظر في قرار إنهاء مهمة القوات الدولية. وهو ما يطرح سؤالًا حول جدوى توجيه الجهود نحو الأمم المتحدة، فيما الفريق الأساسي الذي يعترض على استمرار المهمة معروف وموجود دبلوماسيًا في بيروت.
بحسب مصادر متابعة، فإن التحرك النيابي لم ينتهِ عند تسليم المذكرة القانونية إلى ممثل الأمين العام للأمم المتحدة جان أرنو، بل إن هناك احتمالًا تجري دراسته لإيفاد وفد نيابي إلى مقر الأمم المتحدة خلال الشهر المقبل، في محاولة لاستكمال الضغط باتجاه إعادة النظر في القرار 2790، الذي ينص على انتهاء مهمة اليونيفيل في 31 كانون الأول المقبل، وبدء انسحابها التدريجي بعد ذلك.
لكن المصادر تطرح عبر "النشرة" سؤالًا حول الجهة التي يفترض أن يستهدفها هذا التحرك، خصوصًا أن الأمم المتحدة نفسها لا تتبنى موقفًا رافضًا لاستمرار الحضور الدولي في الجنوب، فيما كانت الولايات المتحدة الفريق الأكثر تشددًا في المطالبة بإنهاء المهمة، وقد عادت المواقف الأميركية الأخيرة لتؤكد أن واشنطن ليست في وارد الموافقة على تمديد جديد بصيغته الحالية.
ومن هنا، فإن إرسال وفد نيابي إلى نيويورك قد يكون مفيدًا لإبقاء الملف حاضرًا، لكنه لا يعالج المشكلة السياسية الأساسية، لأن تعديل القرار يحتاج إلى توافق داخل مجلس الأمن، والولايات المتحدة تملك القدرة على منع صدور أي قرار لا توافق عليه. وبالتالي، فإن نجاح المبادرة يرتبط بقدرة النواب على إحداث تغيير في الموقف الأميركي.
وتعتبر المصادر أن المفارقة تكمن في أن عددًا من النواب المشاركين في المبادرة، أو الداعمين لها، يملكون علاقات سياسية جيدة مع الولايات المتحدة، وبعضهم على تواصل مباشر مع السفارة الأميركية في بيروت. ولذلك يصبح السؤال: لماذا لا تُستخدم هذه العلاقات لطرح ملف اليونيفيل بصورة مباشرة مع السفير الأميركي ميشال عيسى، بدلًا من الاكتفاء بمخاطبة الأمم المتحدة أو التفكير بزيارة مقرها؟
فالسفير الأميركي موجود في لبنان، ويتابع بصورة مباشرة ملفات الجنوب والجيش اللبناني والمفاوضات والترتيبات الأمنية. وبالتالي، فإن مناقشة مستقبل اليونيفيل معه لا تحتاج إلى انتظار زيارة نيويورك، بل إلى مبادرة نيابية تضع واشنطن أمام موقف أكثرية مجلس النواب، وتسألها عن البديل الذي تقترحه وعن الضمانات التي يمكن أن توفرها لمنع حصول فراغ أمني بعد انتهاء المهمة.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن اليونيفيل باعتبارها الحل النهائي للمشكلة الجنوبية، إذ إن التجربة أثبتت حدود قدرتها على منع الاعتداءات الإسرائيلية أو فرض تنفيذ القرارات الدولية. لكن استمرار وجودها يؤمّن إطارًا دوليًا للمراقبة والتوثيق والتنسيق مع الجيش اللبناني، فيما لم تتضح بعد طبيعة البديل الذي يمكن أن يتولى هذه المهمات، ولا مدى قدرته على العمل في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
أما إذا كانت واشنطن تعتبر أن الجيش اللبناني يجب أن يتحمل المسؤولية كاملة بعد انتهاء المهمة الدولية، فمن حق النواب أن يسألوا عن كيفية تحقيق ذلك، في وقت لم تنسحب فيه إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، ولم تتوقف عملياتها العسكرية، فيما لا تزال المؤسسة العسكرية بحاجة إلى دعم وتجهيزات إضافية لتنفيذ المهمات المطلوبة منها.
لذلك فإن المبادرة النيابية تكتسب أهميتها من جمعها أكثرية واسعة حول مطلب واحد، لكنها تحتاج إلى الانتقال من تثبيت الموقف اللبناني إلى محاولة التأثير في القرار الدولي نفسه. وإذا كان النواب جادين في منع انتهاء مهمة اليونيفيل من دون بديل واضح، فإن الطريق يمر عبر واشنطن لا الأمم المتحدة.