لم تعد شحنة المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر مجرّد خبر أمني. فبحسب مصدر قضائي نقلت عنه وكالة "فرانس برس"، أوقفت القوى الأمنية الخميس الماضي رجلين يُشتبه بارتباطهما بـ"حزب الله"، كانا ينقلان نحو 500 كيلوغرام من المتفجرات. وبحسب ما نقله وزير الإعلام بول مرقص عن رئيس الحكومة نواف سلام، كانت الشاحنة متجهة من البقاع إلى بيروت الكبرى، وبين حمولتها مادة "سي فور" شديدة الانفجار.
وقد وضع تعهّد سلام بكشف المتورطين والجهات التي تقف وراءهم القضية في إطار أوسع، حين شدّد على التعامل بحزم مع السلاح خارج الشرعية، من حيث حيازته ونقله واستخدامه. وتزامن ذلك مع معلومات "النشرة" عن التوجّه لاستدعاء مسؤولين في الحزب، وهي خطوة محتملة لا تختصر نتيجة التحقيق ولا تثبت المسؤوليات مسبقًا، لكنها ترفع سقف الأسئلة حول مدى الملاحقة.
فبعد أشهر من البحث في مستقبل السلاح وآليات حصره، أصبحت أمام المؤسسات واقعة محددة تستدعي إجراءات ونتائج قابلة للمتابعة. وهنا، يتقدّم سؤال يتجاوز وجهة الشحنة والغاية من نقلها: هل تستطيع الدولة استكمال التحقيق والمحاسبة بمعزل عن الحوار حول السلاح، أم يبقى المسار القضائي أيضًا معلّقًا على التوافق السياسي؟
واقعة لا يعالجها الحوار
في النقاش السياسي، يمكن إرجاء الخلاف على السلاح إلى حوار مقبل، أو ربط معالجته بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وتوفير ضمانات أمنية. أما ضبط شحنة متفجرات على الطريق الدولية بين البقاع وبيروت، فيضع الدولة أمام مهمة مختلفة وأكثر تحديدًا. فهناك مواد مضبوطة وموقوفون ومسار نقل يجب تتبّعه، وأسئلة لا تجيب عنها المواقف العامة بشأن المقاومة أو السيادة أو التوازنات الإقليمية.
وهذا هو المعنى العملي في كلام سلام. فالتشدد في الحيازة والنقل والاستخدام ينقل قرارات الحكومة إلى تفاصيل عمل الأجهزة والقضاء، ويختبر قدرتهما على التعامل مع وقائع السلاح خارج الشرعية، حتى مع استمرار الخلاف على كيفية معالجة الملف كاملًا.
لا يعني ذلك أن حصر السلاح يتحقق بضبط شحنة، أو أن قضية واحدة تحسم نزاعًا متراكمًا منذ عقود. لكنه يعني أن القرارات العامة تحتاج إلى ترجمة في عمل المؤسسات اليومي. فإذا بقي تنفيذها مؤجلًا إلى التسوية النهائية، يصبح السؤال: ماذا تستطيع الدولة أن تمنع أو تلاحق خلال فترة الانتظار، مهما طالت؟
بين الكحالة وضهر البيدر
تستحضر القضية حادثة شاحنة الكحالة في 9 آب 2023، حين انقلبت شاحنة ذخائر تابعة لـ"حزب الله"، وأعقب ذلك اشتباك أدى إلى سقوط قتيلين. يومها، أعلن الجيش نقل الحمولة إلى أحد مراكزه وبدء التحقيق بإشراف القضاء المختص. ثم ظهر خلاف حول الاستدعاءات، ورفضت فاعليات البلدة مساءلة أبنائها قبل تسليم المسؤولين عن مقتل فادي بجاني.
ليست المقارنة تطابقًا بين الحادثتين؛ ففي الكحالة اختلط ملف الذخائر باشتباك وسقوط ضحايا، فيما تبدأ قضية ضهر البيدر من عملية ضبط أمني. لكنها تذكّر بأن وضع اليد على الحمولة لا يحسم وحده مصير التحقيق، وأن الخلاف على المسؤولية وترتيب الاستدعاءات قد ينقل القضية سريعًا من جمع الأدلة إلى التجاذب السياسي.
من هنا، لا تكفي استعادة الكحالة للتنبؤ بتعثر الملف الحالي، لكنها تمنع اعتبار ضبط الشحنة دليلًا كافيًا على اكتمال قدرة الدولة على المحاسبة. الفارق الذي يجب البحث عنه هذه المرة هو استمرار الإجراءات بعد انحسار الضجة، وصولًا إلى مسار قضائي واضح يحدد المسؤوليات ويتيح معرفة النتيجة.
من الناقلين إلى سلسلة المسؤوليات
تشير المعلومات القضائية إلى أن القضاء العسكري يتولى الملف، فيما أفادت تقارير بانتقال التحقيق من الشرطة العسكرية إلى مديرية المخابرات. ويبقى الاختبار الأهم مدى تجاوز التحقيق حلقة الناقلين. فتوقيف شخصين لا يجيب وحده عن مصدر المواد والجهة التي طلبت نقلها والوجهة النهائية لها.
وتكتسب المعلومات عن احتمال استدعاء مسؤولين في الحزب أهميتها من هذا الجانب تحديدًا. فالاستدعاء، إن حصل، إجراء للتحقق من وقائع وأدوار محتملة، ولا يساوي الإدانة. كما أن الانتماء إلى جهة سياسية لا يثبت تلقائيًا مسؤوليتها التنظيمية عن كل فعل يقوم به أحد المنتمين إليها. المطلوب أن يحدد التحقيق سلسلة المسؤوليات، وأن يبيّن أين تنتهي المعرفة الفردية وأين يبدأ القرار الأوسع، إن ثبت وجوده.
وينطبق الحذر نفسه على الحديث عن الاغتيالات. فتذكير سلام باستخدام مادة "سي فور" في اغتيالات سياسية سابقة يفسّر جانبًا من القلق الشعبي، لكنه لا يثبت أن الشحنة كانت معدّة لغرض مماثل. كشف الغاية من نقلها وظيفة التحقيق، وأي قفز إلى نتيجة مسبقة قد يضعف القضية، حتى لو جاء تحت عنوان التشدد في حماية أمن اللبنانيين.
الاستقطاب سبق النتائج
بالنسبة إلى الحكومة، يرفع موقف سلام سقف المسؤولية عن المتابعة. فالتعهد بكشف الجهات التي تقف وراء العملية يجعل الاكتفاء بضبط المواد وتوقيف ناقليها أقل من الوعد المعلن. والمطلوب سياسيًا أن توفر الحكومة للمؤسسات القدرة على استكمال عملها، وأن تتحمل تبعات تطبيق قراراتها، من دون أن تحلّ محل القضاء في تحديد الاتهامات أو إعلان النتائج.
أما بالنسبة إلى "حزب الله"، فإن القضية تطرح اختبارًا لطريقة التعامل مع مؤسسات الدولة حين تمسّ التحقيقات أشخاصًا يُنسبون إليه. فالتعامل مع الاستدعاءات والإجراءات وفق الأصول، وتقديم ما يدحض الشبهات إن وجد، يختلف عن تحويل أصل التحقيق إلى استهداف سياسي. كما أن على خصومه التمييز بين المطالبة بالمحاسبة واستباق القضاء بأحكام جاهزة تزيد الاستقطاب وتشوّش على الأدلة.
وقد ظهر الاستقطاب بوضوح في موقف رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي اعتبر الحادثة "الأخطر منذ سنوات"، وطالب بألّا تقف التحقيقات عند السائق ومرافقه، وأن تصل إلى سلسلة القيادة. لكنه وسّع موقفه أيضًا إلى الدعوة لـ"تطهير أجهزة الدولة من العناصر المقرّبة من حزب الله"، ناقلًا النقاش من الشحنة إلى تركيبة المؤسسات وقدرتها على المواجهة.
هل تتقدّم المحاسبة هذه المرة؟
حتى الآن، تحرّك الملف تحت إشراف القضاء العسكري، وأعلن رئيس الحكومة التزامه بمتابعته، وبرزت معلومات عن استدعاءات محتملة تتجاوز الموقوفين. هذه خطوات تميّز القضية عن الاكتفاء بضبط الحمولة، لكنها لم تكشف بعد حدود المسؤولية أو الغاية من نقل المتفجرات.
من هذه الزاوية، لا تلغي شحنة ضهر البيدر الحاجة إلى تسوية ملف السلاح، لكنها تكشف حدود انتظار تلك التسوية قبل ممارسة الدولة صلاحياتها. فحصر السلاح مسار طويل، أما التحقيق في حيازته ونقله خارج الشرعية فهو مسؤولية حاضرة.
وقد نجحت الأجهزة في إيقاف المركبة وضبط حمولتها؛ ويبقى على التحقيق الوصول إلى الجهة التي أرسلت المتفجرات والجهة التي كانت تنتظرها. عندها يتبيّن مدى قدرة الدولة على ملاحقة قرار نقل السلاح، وليس ناقليه وحدهم.