ليس أشدّ إيلامًا من أن يُساء تمثيل التاريخ، إلا أن يحدث ذلك باسم الحفاظ عليه. ففي نيويورك، حيث شقّ المهاجرون اللبنانيون والسوريون طريقهم من مرافئ الشرق إلى قلب الحياة الاقتصادية والثقافية الأميركية، افتُتح في الثاني من أيار الفائت نصبٌ تذكاري أثار اعتراضات واسعة في أوساط من يرون فيه صورة لا تشبه أصحاب الحكاية، ولا تليق بإرثهم.
في زمنٍ يقلق فيه اللبنانيون المنتشرون على مستقبل وطنهم، ويبحثون في صورهم عن وجه وحجر وظلّ كرمة، وعن أثرٍ من طفولتهم في لبنان، أتى العبث بالذاكرة ليضيف إلى القلق جرحًا آخر. فالتاريخ ليس ملكًا لمن يجمع المال باسمه، ولا إرثًا يجوز اختزاله في نصبٍ غريب عن روحه.
في أواخر القرن التاسع عشر، كانت "سوريا الصغرى" في نيويورك أكثر من حيّ للمهاجرين؛ كانت مدينةً من التعب والطموح، حمل أبناؤها من لبنان وسوريا معهم "بقجةً" فيها الزعتر والكشك والزيتون والصابون البلدي، ثم صنعوا من العزيمة تجارةً وصناعةً وصحافةً وأدبًا، وأسهموا في بناء جسور اقتصادية وثقافية مع بلادهم، وفي مقاومة الحكم العثماني بالقلم والفكر والعمل الوطني.
من هناك، لمع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني، وازدهرت الصحافة العربية على أيدي ناشرين كبار، بينهم "نعوم مكرزل وأمين الغريّب". وامتدت الحركة التجارية إلى مؤسسات وأسماء صنعت حضورها في النسيج الاقتصادي للمهجر، منها "سعادة إخوان"، ومتجر "أزعون وبو نعمة"، و"حبوش وشركاه"، ومحلّ المهاجر السوري نعمة الله كرم، ومتجر البواليد ليوسف يعقوب، ومعمل خليل نادر وشركاه، ومتجر المطرزات للسوري خليل باحوط، وجبران عوض، ومحلات السمانة السورية، وأبناء زلعوم، ومعوشي إخوان، واسطوانات فريد العلم، ومكاتب بيت البستاني لتذاكر السفر، ومصرف الأمانة الذي نقل مدخرات المهاجرين إلى ذويهم قرشًا أميركيًا بعد قرش... واللائحة تطول.
لكن أيّ ذاكرة تبقى إذا سقط منها بعض صانعيها، واختزلت جمعية Washington Street Heritage Society تاريخها في أسماء منتقاة ممّا يدلّ على جهل في حياة "سوريا الصغرى"؟ وأيّ أمانة تاريخية تُرجى حين تغيب أسماء ناشرين كبار، فيما تُدرج أسماء أخرى أقل شأنًا ودورًا؟
أَسندت الجمعية اللبنانية الأصل مهمة فنيّة إلى "سارة أوحدو"، وهي طالبة فرنسية مغربية من أصول أمازيغية، لإنجاز نصبٍ يخلّد تاريخ المهاجرين اللبنانيين-المسمّين سوريين في ذلك الوقت. وأثار الاختيار، كما أثار النصب، تساؤلات عن معايير التكليف، ومدى إلمام أعضائه بأدب وتاريخ المهجر ورموزه.
ويقول منتقدون إن التصميم لا يعكس ملامح البيئة المشرقية، ولا صلة كافية بين شكله وبين حياة "سوريا الصغرى"، بما حملته من تجارة وحياكة وصناعة حلويات شرقية وصحافة وأدب. كما أثار موضع اسم جبران خليل جبران، المحفور في زاوية خلفية من النصب، اعتراضات؛ إذ رأى الطبيب والباحث المهجري السوري غسان كرياكي أن مكانته كانت تستوجب أن يتصدر العمل، لا أن يُترك في هامشه.
أما الكلفة، فهي سؤال آخر لا يجوز أن يضيع وسط الجدل الفني. فقد نُشرت معلومات عن بلوغها مليونًا وتسعمئة ألف دولار، فيما قدّر مهندسا المسارح في نيويورك، حنا وشقيقه نعمي حنا، أن تنفيذ عمل مماثل قد لا يتجاوز مئة ألف دولار، حتى مع استيراد المواد من إيطاليا والصيانة. وهي تقديرات تستدعي كشفًا واضحًا للحسابات، لا أحكامًا نهائية قبل الاطلاع على العقود والفواتير والتفاصيل الفنية.
فأين ذهبت الأموال؟ وما الجهات التي موّلت المشروع؟ وكيف صُرفت المبالغ؟ أسئلة مشروعة تطرحها الجالية اللبنانية، التي تطالب بالشفافية والمساءلة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن وزارة الثقافة اللبنانية لم تُبلَّغْ بالمشروع من قِبَل الجمعية. وإذا صحّ ذلك، فإن السؤال يصبح أكبر من خلافٍ على شكل نصب: كيف يُنجز مشروع يُفترض أنه يحفظ إرثًا ثقافيًا لبنانيًا وسوريًا، من دون إشراك المرجعيات الثقافية المختصة في الوطن الأم؟
حين يكون بين أيدينا مبدعون ونحاتون من لبنان، كيف يُعهد بتصميم نصبٍ يروي تاريخ المهاجرين الأوائل إلى طالبة مغربية لا تنتمي إلى هذه التجربة التاريخية؟ ليست المسألة انتقاصًا من جنسية المصمّمة أو أصولها، بل تساؤلٌ عن معايير الاختيار. يا للعيب، حين يصبح أصحاب الذاكرة آخر من يُستشار في صياغتها!
على الفور، تحرّكت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، فرع نيويورك، برئاسة عاطف عيد، وزارت بلدية نيويورك وقدمت اعتراضًا خطيًا على التصميم، مطالبة بمناقشة العمل أمام لجنة الهندسة، وهي تنتظر موعدًا للمناقشة. كما طالب ممثلون عن الجالية، وأحزاب لبنانية في نيويورك، ورابطة الأطباء اللبنانيين في نيويورك، والناشر والصحافي أسامة سبلاني من ميشيغن، والقنصل الفخري في فانكوفر الدكتور نقولا قهوجي، وسفراء وقناصل لبنانيون، والموظفون اللبنانيون في الأمم المتحدة وأندية لبنانية في بوسطن وهيوستن وكاليفورنيا، طالبوا بإعادة النظر في النصب، ودعم بديل يمثل روح هجرة أجدادهم إلى القارة.
وفي سياقٍ متصل، عُدّلت اللوحة التي كانت تصف أدباء المهجر بأنهم سوريون، بعدما فُتح النقاش حول الهوية التاريخية للمهاجرين، الذين جاء كثيرون منهم من جبل لبنان، ضمن بلاد الشام التي كانت تُعرف آنذاك باسم سوريا.
في مواجهة هذا الجدل، يقدّم النحّات اللبناني رودي رحمة تصوّرًا مختلفًا، لا يقوم على تكديس الأسماء بموزاييك أفريقي الألوان، بل على بناء حكاية بصريّة متكاملة، تروي سيرة الإنسان الذي حمل الكتاب، وركب البحار، وعمل بإبرة الخياط، و"بولاد" الحلّاق ونشرَ الصحيفة، وترك أثره في القارة الأميركية.
حسب المصمم رحمة، يبلغ التصميم المقترح 10 أمتار ارتفاعًا و12 مترًا عرضًا، ويمكن تنفيذه بالبرونز أو بمادة بودرة الرخام. وفي قلب فكرته كتابٌ مفتوح، تخرج منه سفينة، يسيل منها حبر الشوق، وتتدلى منها خيوط الحياكة، في إشارة إلى معامل تصميم الأزياء وصناعة الملابس التي أسهمت في اقتصاد المهاجرين. ومن السفينة تنبثق أرزة، تحمل أغصانها وجوه أدباء المهجر والناشرين العرب الأوائل في القارة الأميركية.
سفينة رودي رحمة ليست مجرد رمز للهجرة، بل استعارة لرحلة بدأت بالفقر والاغتراب، وانتهت إلى تأسيس نواة وطن بديل.
ذلك هو الفارق بين نصبٍ يحشر اسم "جبران" في مؤخرته، وتصميمٍ يجعل التاريخ كله بنيةً فنية قابلة للقراءة. فرحلة "سوريا الصغرى" لا تختصرها كلمة "القلم"، كما فعلت سارة أوحدو.
لقد طلبت الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة من رودي رحمة إعداد هذا التصوّر ليُرفع إلى وزارة المغتربين، أملًا في إعادة النظر بالتصميم القائم. اقتراح يستحق أن يُناقش على أساس فني وتاريخي، وبمشاركة أهل الاختصاص والمؤسسات المعنية.
إن تصميم رودي رحمة يعيد الاعتبار إلى الفكرة التي ينبغي أن يقوم عليها أي نصب تذكاري. أن يكون العمل فنًا في خدمة التاريخ، ورواية شعبٍ كتب حضوره بيده.
وإذا كانت "جمعية واشنطن ستريت" لم تُبلّغ وزارة الثقافة بهذا المشروع، لغايةٍ في نفس يعقوب، كما يُقال، فإن واجبها اليوم أن تضع أمام الرأي العام أسباب ذلك، وأن تكشف تفاصيل التمويل والتعاقد والتنفيذ. فتاريخ الشعوب ليس ملكًا لجمعية.
أما رودي رحمة، فيقدّم بتصميمه دعوةً إلى كيف يُروى تاريخ المهاجرين كما عاشوه، لا كما يصمّمه من لم يعرف تفاصيله.
لقد شقّ الأوائل الأطلسي ليصنعوا وطنًا في الغربة، فلا يجوز أن نعجز اليوم عن صنع نصبٍ يليق بهم.
سمر نادر–الأمم المتحدة
نيويورك