في عالم يزداد انقسامًا بسبب الحروب وتضارب الأيديولوجيات، دأبت كازاخستان لأكثر من عقدين على الحفاظ على استمرارية الحوار بين ممثلي مختلف الأديان.
وكازاخستان، التي تُعتبر تاسع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وأكبر دولة مسلمة، تعد عابرة للقارات بين آسيا وأوروبا، ولديها حدود استراتيجية مع الصين وروسيا، وفيها 131 عرقًا تشمل الكازاخ (63% من السكان) والروس والأوزبك والأوكرانيين والألمان والتتار والأويغور.
واليوم تتحول كازاخستان تدريجيًا من دولة تقع في قلب أوراسيا إلى قوة توازن واستقرار ذات أهمية متزايدة في النظام الدولي الجديد، نتيجة موقعها على طرق التجارة بين الصين وأوروبا.
وبات "الممر الأوسط" أحد أهم المشاريع التي يمكن أن تمنح كازاخستان دورًا أكبر في التجارة الأوراسية، باعتباره مسارًا يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز وتركيا.
وتتبنى أستانا منهجًا راسخًا في "الدبلوماسية الروحية"، كما تسعى للمساهمة في إيجاد حلول للتحديات المعاصرة. ويُعد "مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية" المنصة الدولية الرائدة للحوار بين الأديان والثقافات، وقد انطلق المؤتمر في أستانا عام 2003، ويجمع كبار القادة الدينيين والمسؤولين الحكوميين وممثلي المنظمات الدولية والعلماء وممثلي المجتمع المدني.
وتضم المنصة ممثلين عن الإسلام (السنة والشيعة)، والمسيحية، واليهودية، والبوذية، والهندوسية، والطاوية، والشنتوية، والزرادشتية، والبهائية، والجاينية. وهو يمثل منتدى للحوار والتعاون العملي؛ ولا يسعى إلى دمج العقائد أو الفصل في الخلافات اللاهوتية.
وقد عُقد الاجتماع الرابع والعشرون لأمانة "مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية" في 7 تشرين الأول 2026، برئاسة نائب رئيس جمهورية كازاخستان رئيس أمانة المؤتمر إيرلان كارين. وشهد الاجتماع مشاركة أكثر من 30 ممثلًا بارزًا عن الأديان العالمية والتقليدية والمنظمات الدولية، إلى جانب مسؤولين حكوميين وشخصيات عامة من 20 دولة، وبحضور ممثلين عن لبنان.
وللمرة الأولى، أقر الاجتماع الرابع والعشرون للأمانة العامة مجموعة شاملة من المبادرات الدولية العملية للمؤتمر في ثلاثة مجالات ملحة: أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في المجال الديني، والذي يكرس الحفاظ على الاستقلالية الروحية عند استخدام التقنيات الجديدة؛ والمسؤولية البيئية وأهمية دور الأديان في مكافحة تغير المناخ، وحماية كرامة الأطفال الأكثر ضعفًا.
ومن النتائج المهمة الأخرى للاجتماع، طرح "ميثاق حقوق الطفل المصاب بمرض عضال"، وهي مبادرة مشتركة بين كازاخستان والكرسي الرسولي. تهدف الوثيقة إلى حماية كرامة وحقوق الأطفال المصابين بأمراض لا يُرجى شفاؤها، وضمان معاملتهم معاملة إنسانية وتوفير الرعاية الطبية والنفسية اللازمة لهم، ودعم أسرهم، ومراعاة احتياجات الطفل الروحية وتلك المتعلقة بنظرته إلى العالم.
"نقطة انطلاق"
ويوفر المؤتمر نقطة انطلاق يمكن من خلالها دعوة المؤسسات والمنظمات الدينية والشركاء الدوليين للتحرك والعمل من أجل القضايا الروحية والإنسانية، ومنصة تلتقي فيها الحكومات والأديان والحضارات التي لا تتطابق مصالحها السياسية دائمًا.
وتقدم كازاخستان هذا المؤتمر كأداة لـ"الدبلوماسية الروحية"، فهو يمثل مكان لقاء محايدًا يمكن للقادة الدينيين التواصل فيه عبر الانقسامات السياسية والمذهبية. ويقع المقر المؤسسي الدائم للمؤتمر في "قصر السلام والمصالحة" في أستانا.
وقد عُقد المؤتمر الأول في 23–24 أيلول 2003، وهو ذكرى تأسيس المنصة في أستانا. وفي العام 2022، عُقد المؤتمر بعنوان "تجمع عالمي كبير" بحضور البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب. كما جمعت الدورة الثامنة للمؤتمر، التي عُقدت في أيلول 2025، ممثلين دينيين ودوليين حول "إعلان أستانا للسلام".
ويُعقد المؤتمر عادةً كل ثلاث سنوات؛ وتواصل الأمانة العامة عملها في الفترات الفاصلة بين المؤتمرات. وستتمثل المحطة التالية في الاجتماع الخامس والعشرين للأمانة العامة، الذي يُعد حدثًا بارزًا ومقررًا عقده في 6 تشرين الأول 2027. وفي عام 2028، سيُعقد المؤتمر التاسع لقادة الأديان العالمية والتقليدية احتفالًا بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المؤتمر.
وستعمل الفعاليات المرتقبة على مواصلة وتوسيع المسار العملي القائم بالفعل، مما يعزز دور المؤتمر كآلية دولية مستدامة للدبلوماسية الروحية التي تركز على السلام والكرامة الإنسانية والمسؤولية المشتركة عن المستقبل.























































