من المعروف أن المصالح هي التي تسيّر العلاقات بين الدول، وأن مصالح الدول الكبرى تطغى على مصالح الدول الصغرى. لكن ما يحصل في هذا السياق في ظل إدارة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ يتخطى هذا المنحى بنسبة عالية، حيث إن تقديم مصلحة أميركا يتم غالبًا على حساب مصالح الدول والقوى الحليفة، انطلاقًا من الشعار الانتخابي الذي رفعه ترامب "أميركا أولًا"(America First) . وهنا يكمن الخطر الشديد من التعويل على المشروعات الأميركية المعدّة، سواء ل​لبنان​ أو للمنطقة، دون احتساب احتمال تبدّل مواقف واشنطن بشكل سريع تبعًا لمصلحتها التي تأتي أولًا. ويمكن في هذا الإطار استعراض ما يلي:

بالنسبة إلى الصراع في ​أوكرانيا​، كان لافتًا خلال الأيام القليلة الماضية تصريح الرئيس ترامب بأن "الوقت قد حان لاختيار قائد جديد في أوكرانيا يمكنه التوصل إلى اتفاق لإنهاء النزاع"، منتقدًا تعامل الرئيس الأوكراني ​فولوديمير زيلينسكي​ مع الأزمة، علمًا أن الدستور الأوكراني يمنع أصلًا إجراء انتخابات خلال تطبيق الأحكام العرفية المرتبطة بفترات الحروب! وقد جاء موقف ترامب المتشدد من زيلينسكي لأنه يريد تمرير صفقته مع الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​، القاضية بإتاحة كميات كبيرة من الديزل الروسي في الأسواق العالمية، ومنها الأسواق الأميركية بطبيعة الحال، بغرض خفض الأسعار وتهدئة الناخب الأميركي. ويعارض الرئيس الأوكراني بحزم هذا التساهل الأميركي المجاني إزاء روسيا، لأنه يأتي على حساب مصلحة أوكرانيا ومصلحة مختلف الدول الأوروبية التي حذّرت من أن تخفيف العقوبات أو تعليقها على شحنات الديزل الروسي سيمنح موسكو إيرادات مالية إضافية لتمويل حربها في أوكرانيا.

وبالنسبة إلى الصراع في اليمن، حيّد الرئيس الأميركي نفسه عن المعركة الحالية التي تطال أبرز حلفاء واشنطن الإقليميين، أي ​المملكة العربية السعودية​، على الرغم من تعرّضها خلال الأيام الماضية لهجمات تطال بنيتها التحتية الأساسية وتعرّض استقرارها الأمني والاقتصادي للخطر. وبحسب الخبراء، فإن أي تدخّل أميركي مستقبلي إلى جانب السعودية – إن حصل – لن يكون من منطلق الدفاع عن حليف، بل من منطلق المقايضات السياسية. حيث يُتوقّع أن يربط ترامب مستوى الدعم العسكري الأميركي المحتمل بمدى تقيّد الشركاء الإقليميين مع الأولويات الاقتصادية والسياسية لواشنطن، ومنها ملف حجم إنتاج النفط في منظمة "أوبك" وسعر مبيعه العالمي، وملف السير بمسار التطبيع مع ​إسرائيل​، على سبيل المثال لا الحصر. وكل ذلك بما يخدم المصلحة الأميركية واقتصادها ونفوذها الإقليمي والدولي، وغيرها.

أما بالنسبة إلى الصراع في ​إيران​، والذي يهدّد أمن الحليف الرئيس لواشنطن، أي إسرائيل، وكذلك باقي الحلفاء الإقليميين من دول عربية وخليجية، فإن أبواب حل النزاع تمر بالمصلحة الأميركية أولًا وأخيرًا. على صعد الملفات التي تؤثر على النفوذ الأميركي في المنطقة، من قواعد عسكرية وانتشار ميداني، والملفات التي تؤثر على اتجاهات الناخب الأميركي، سواء مباشرة مثل أسعار الطاقة العالمية أو معنويًا مثل قضية النووي الإيراني، والملفات الاقتصادية التي تنعكس على حجم مكاسب الشركات الأميركية من أي استثمارات مقبلة محتملة في إيران والمنطقة، وغيرها. وبالتالي، فإن أمن إسرائيل ودول المنطقة يأتي في مرتبة متأخرة نسبة إلى اهتمامات الإدارة الأميركية. حيث إن كل مساعي الوسطاء لعقد اتفاق أو حتى تسوية بين واشنطن وطهران لا تتطرق مثلًا إلى مسألة الصواريخ الباليستية أو الأذرع العسكرية لإيران، التي تمثل الخطر الحقيقي المباشر على كل حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، وفي طليعتهم إسرائيل.

أما بالنسبة إلى الصراع في لبنان، فالدعم الأميركي للبنان كبير... إعلاميًا! لكن ميدانيًا، لا تُرغم واشنطن تل أبيب على تنفيذ أي بند لمصلحة لبنان، لا ضمن "اتفاق الإطار" ولا خارجه. والمساعدات العسكرية الأميركية لصالح الجيش اللبناني لا تتجاوز تأمين آليات نقل عسكرية، وكميات من الذخائر، وبخاصة للأسلحة الرشاشة، وإجراء بعض الدورات التدريبية لعدد من الضباط، من دون أن تصل فعليًا إلى تزويد الجيش بالمعدات القتالية الحديثة. والمطالبات الأميركية المتكررة بضرورة سحب سلاح "​حزب الله​" وبسط سلطة الدولة لا تترافق مع أي تدابير فعلية موجعة ضد "الحزب"، حتى على مستوى الحصار المالي المفروض عليه، والذي هو جزئي وغير حاسم. كما أن الإدارة الأميركية تضغط على السلطة في لبنان من أجل الامتثال لرؤية واشنطن للشرق الأوسط الجديد، من دون أن تعطيه في المقابل أي مكاسب تمكّنه من تقوية موقفه السياسي والمعنوي. وقد كشف تقرير صادر عن "​مجلس من أجل أميركا آمنة​" (CSA) أن لبنان يأتي في المرتبة الثانية بعد الكويت ضمن الدول ذات الأغلبية العددية المسلمة المرشّحة للانضمام مستقبلًا إلى الاتفاقات الإبراهيمية الرامية إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتليه سوريا في المرتبة الثالثة. علمًا أن كل ما تقوم به إسرائيل من أعمال قتالية عدائية تحت عيني واشنطن لا يساعد إطلاقًا في التمهيد لهذا المسار النظري. وبالتالي، فإن ما تروّج له الإدارة الأميركية بشكل مباشر حينًا وغير مباشر حينًا آخر، من سلام وأمن، لا يقترن بأي خطوة عملية.

وانطلاقًا مما سبق، فإن مصالح كل حلفاء أميركا بخطر، لأن ما يأتي أولًا هو المصلحة الأميركية بشكل عام، ومصلحة الرئيس ترامب بشكل خاص. وبالتالي، في حال تقاطع هذه المصلحة مع مصلحة الدولة المعنية وقضاياها، يمكن تحقيق مكاسب معينة. أما في حال تعارضت المصلحة الأميركية المذكورة مع ما تريده أوكرانيا أو السعودية أو إسرائيل أو لبنان أو أي دولة أخرى في العالم، تصبح الرهانات على مساعدة أميركية في غير محلها، ويمكن أن تصل المسألة إلى حد تعريض مصلحة حلفاء واشنطن للخطر! وهذا ما على لبنان أخذه في الاعتبار قبل أي شيء آخر، حتى لا يذهب الشعب اللبناني فرق عملة في لعبة المصالح الكبرى القائمة حاليًا في المنطقة!