في وقت لا تزال فيه العقوبات الغربية المفروضة على روسيا تشكل أحد أبرز أدوات الضغط على موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تبرز مؤشرات إلى احتمال دخول استثمارات أميركية في مشاريع مرتبطة بالغاز الروسي. وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المقاربة الاقتصادية التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما إذا كانت المصالح التجارية قادرة على فتح قنوات تعاون مع روسيا رغم استمرار الخلافات السياسية.
فهل نحن أمام تحوّل فعلي في السياسة الأميركية تجاه موسكو، أم أن إدارة ترامب تسعى إلى التوظيف بقطاع الطاقة لتحقيق مكاسب اقتصادية وتعزيز موقعها التفاوضي، من دون التخلي عن ورقة العقوبات؟
في قراءة لهذه التطورات، يوضح الخبير الاقتصادي ميشال فياض عبر "النشرة" أن الحديث عن استثمارات أميركية في قطاع الغاز الروسي لم يعد مجرد احتمال نظري، بل يستند إلى مؤشرات ومحادثات تتعلق بمشاريع وشركات روسيّة، وإن كانت الطريق لا تزال طويلة أمام ترجمتها إلى اتفاقات نهائية.
ويرى فياض أن هذه المؤشرات تعكس مقاربة اقتصادية تقوم على الصفقات والمصالح المتبادلة، إذ تعطي إدارة ترامب أولوية للاتفاقات في قطاع الطاقة وخفض أسعار المحروقات، خصوصًا في ظل الضغوط المرتبطة بالحرب مع إيران واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية.
ويعتبر أن ما يجري "لا يشكّل انقلابًا كاملًا في السياسة الأميركية تجاه روسيا، بل يشير إلى تخفيف براغماتي في المقاربة"، بحيث تبقى العقوبات قائمة، فيما تُدرس فرص التعاون الاقتصادي التي يمكن أن تحقق مكاسب لواشنطن.
من يجني أرباح التعاون الأميركي–الروسي؟
لا تقتصر أهمية التعاون المحتمل على إعادة ضخ الغاز الروسي إلى الأسواق، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة توزيع المصالح والنفوذ داخل قطاع الطاقة العالمي.
وفي هذا السياق، يشير فياض إلى أن الولايات المتحدة ترى في هذه المشاريع فرصة لتحقيق أرباح لشركاتها ومستثمريها، فضلًا عن تعزيز تأثيرها في تدفقات الغاز نحو أوروبا واكتساب ورقة إضافية في المفاوضات مع موسكو.
أما روسيا، فتسعى إلى استعادة جزء من إيراداتها المرتبطة بصادرات الطاقة، وجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا، والحصول على تخفيف جزئي للعقوبات التي قيّدت وصولها إلى الأسواق والاستثمارات الغربية.
وبحسب مصادر اقتصادية، فإن دخول مستثمرين أميركيين وخليجيين في أصول الطاقة الروسية قد يفتح الباب أمام صيغة تعاون مختلفة عن العلاقات التجارية التقليدية، تقوم على تقاسم الأرباح وإدارة المصالح بدلًا من رفع العقوبات بصورة شاملة.
وفي تقدير فياض، سيكون المستفيدون المباشرون من هذه الترتيبات هم المستثمرون الأميركيون والخليجيون، إلى جانب موسكو التي قد تستعيد جزءًا من إيراداتها. أما أوروبا، فقد تستفيد اقتصاديًا في حال عودة إمدادات الغاز بأسعار تنافسية، لكن هذه العودة ستثير خلافات سياسية حادة داخل الاتحاد الأوروبي.
هل يصبح الغاز ثمنًا للسلام في أوكرانيا؟
يتجاوز النقاش الاقتصادي مسألة الأرباح إلى احتمال استخدام مشاريع الطاقة أداة لتقريب المواقف بين واشنطن وموسكو، وربما إدراجها ضمن تسوية أوسع للحرب الروسية–الأوكرانية.
ويشرح فياض أن الاتفاقات المرتبطة بالغاز يمكن أن تشكّل، من الناحية النظرية، حوافز اقتصادية في مفاوضات السلام، إذ تمنح روسيا أفقًا لاستعادة بعض عائداتها، وتتيح للمستثمرين الأميركيين فرصًا جديدة في سوق الطاقة.
لكن تحويل هذه الاحتمالات إلى اتفاقات فعلية يصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها استمرار العقوبات الأميركية والأوروبية، ومعارضة ألمانيا إعادة تشغيل "نورد ستريم"، والتوجه الأوروبي نحو وقف واردات الغاز الروسي، فضلًا عن الرفض الأوكراني لأيّ ترتيبات تمنح موسكو مكاسب استراتيجية من دون تسوية سياسية واضحة.
وتشير مصادر متابعة لأسواق الطاقة إلى أن أي تفاهم أميركي–روسي لن يكون كافيًا وحده لإعادة تدفقات الغاز إلى أوروبا، لأن ذلك يتطلب أيضًا معالجة القيود القانونية والحصول على الموافقات الأوروبية المعنية.
ويلخّص فياض المشهد بالتأكيد أن "الخلافات السياسية لا تزال، في المرحلة الراهنة، أكثر تأثيرًا من الاعتبارات الاقتصادية البحتة"، ما يجعل احتمال استخدام الغاز ورقة تفاوض قائمًا، من دون أن يضمن الوصول إلى اتفاق.
وعليه، يبدو أن ترامب يحاول فتح نافذة اقتصادية في جدار العقوبات المفروضة على موسكو، من دون أن يكون مستعدًا بالضرورة لتفكيك هذا الجدار بالكامل. وبين رغبة واشنطن في تحقيق الأرباح وتعزيز نفوذها في أسواق الطاقة، وحاجة روسيا إلى استعادة الإيرادات والاستثمارات، يبرز الغاز بوصفه أحد الملفات التي قد تعيد رسم حدود العلاقة بين البلدين.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو ما إذا كانت المصالح الاقتصادية قادرة على دفع التسوية السياسية قدمًا، أم أن الحرب والعقوبات ستبقيان هذه المشاريع مجرد صفقات محتملة تنتظر ظروفًا لم تنضج بعد.