وسّع المجلس الدستوري نطاق الاستثناء المتعلق بالقتل المشدد، وحدّد شروط الاستفادة من تخفيض العقوبة، وأكد خروج جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري من نطاق العفو.
تفرض قراءة أحكام العفو العام المتعلقة بالقتل والإرهاب التمييز بين ثلاث مسائل مختلفة: الجرائم التي استثناها المشرّع من العفو، والجرائم التي لا تستفيد من تخفيض العقوبة، والضمانات التي أضافها المجلس الدستوري عند تفسير النص. فالخلط بين هذه المستويات قد يقود إلى نتائج قانونيّة خاطئة، ولا سيما في القضايا التي تتصل بأشد الجرائم خطورة.
استثنت المادة الثانية من القانون رقم 70 الصادر في الرابع من أيلول 2026 الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمدي أو القصدي والجرائم الواردة في قانون الإرهاب الصادر في 11 كانون الثاني 1958 بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية. كما استثنت جرائم عسكرية محددة، وجرائم الخيانة والتجسس والاتصال غير المشروع بالعدو، مع مراعاة الاستثناء الذي نص عليه القانون لفئة محددة.
هذه الأحكام تتصل بنطاق العفو نفسه. أما المادة الثالثة، فتتناول تخفيض العقوبات في الجرائم التي لم يشملها، فنصت على تحويل عقوبة الإعدام إلى 28 سنة سجنية، والأشغال الشاقة المؤبدة إلى 17 سنة سجنية، وتخفيض سائر العقوبات المتبقية بمقدار الثلث، مع استثناء حالات محددة من التخفيض.
القتل المشدد: توسيع نطاق الاستثناء
حدّدت المادة الثالثة حالات من القتل العمدي أو القصدي لا تستفيد من التخفيض، عندما تقترن الجريمة بظروف مشددة، من بينها الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، أو ارتكابها من أحد الأصول أو الفروع أو شخص له سلطة أو ولاية أو وصاية على الضحية، أو اقترانها بالتعذيب أو الوحشية أو التشويه أو الخطف، أو وقوعها في إطار اغتيال سياسي.
لكن المجلس الدستوري رأى أن حصر الاستثناء بهذه الحالات قد يثير التباسًا عند تطبيقه على جرائم القتل التي شدّد قانون العقوبات عقوباتها في مواد أخرى. لذلك قرر أن الاستثناء الوارد في المادة الثالثة يشمل أيضًا جميع جرائم القتل القصدي أو العمدي الواردة في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات.
وهذا التفسير ملزم، ويمنع التعامل مع الظروف المشددة المذكورة في المادة الثالثة باعتبارها القائمة الوحيدة التي تحدد الجرائم المستثناة من تخفيض العقوبة. فالمعيار لا يقتصر على الوصف الوارد في قانون العفو، بل يشمل أيضًا الجرائم التي أحال إليها المجلس صراحة.
لا إعادة إحياء لعقوبة الاعدام
تناول المجلس أيضًا العلاقة بين المادة الثالثة من قانون العفو والقانون رقم 68/2026 الذي ألغى عقوبة الإعدام. وقرر أن البند الأول من المادة الثالثة، الذي يحوّل العقوبة إلى 28 سنة سجنية، لا يعيد إحياء عقوبة الإعدام الملغاة بأي وجه.
وأوضح أن الحكم يتناول الجرائم التي كانت معاقبًا عليها بالإعدام قبل نفاذ القانون رقم 68/2026، وكذلك المحكوم عليهم الذين استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجب المادتين الثالثة والخامسة (أ) من ذلك القانون. وفي هذه الحالات، تصبح العقوبة 28 سنة سجنية، ولا يسري عليهم البند الثاني من المادة الثالثة المتعلق بتحويل الأشغال الشاقة المؤبدة إلى 17 سنة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية عملية، لأنها تمنع الجمع بين حكمين على نحو يؤدّي إلى نتيجة لم يقصدها المشرّع. فلا يجوز تطبيق قاعدة تحويل الإعدام إلى 28 سنة، ثم إخضاع العقوبة نفسها مرة أخرى لقاعدة تحويل المؤبد إلى 17 سنة.
الحق الشخصي وشرط إسقاطه!
ربطت الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة الاستفادة من تخفيض العقوبة، في جرائم القتل المشددة، بإسقاط الحق الشخصي إذا كان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل الأول من آذار 2026.
ورأى المجلس أن الصياغة قد تؤدي إلى اختلاف في المعاملة بين المتضررين من جرائم قتل مشددة متشابهة. لذلك فرض تحفظًا تفسيريًا ملزمًا يقضي بأن شرط إسقاط الحق الشخصي يسري على جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة بأحد الأسباب المشددة الواردة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة، أو بأحد الأسباب المشددة الواردة في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات.
كما أبطل المجلس عبارة «قبل 1/3/2026» من الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة. وبذلك أزيل القيد الزمني الذي كان يربط شرط إسقاط الحق الشخصي بتاريخ محدد.
ولا يعني ذلك أن العفو يمحو حقوق المتضرر المدنية تلقائيًا. فشرط إسقاط الحق الشخصي هنا يتصل بالاستفادة من تخفيض العقوبة في الحالات المحددة، أما مصير التعويضات والمطالبات المدنية فيخضع للأحكام القانونية التي تنظمها.
الإرهاب والجرائم الدولية
في ملف الإرهاب، أبقى القانون الجرائم المحددة في المادة الثانية خارج نطاق العفو. ولم يقرر المجلس في منطوقه تعديلًا خاصًا لهذا الاستثناء، ولذلك يجب عدم نسبة تغيير إليه في هذا المجال من دون سند صريح.
لكن المجلس أضاف تحفظًا تفسيريًا ملزمًا يقضي بأن كل فعل يشكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًا يُعد خارجًا عن نطاق العفو. وهذه نتيجة دستورية مستقلة، تمنع إدخال هذه الجرائم في نطاق العفو عبر تفسير موسّع لأحكامه.
ولا يعني ذلك أن كل جريمة قتل أو عنف تُصنّف تلقائيًا ضمن الجرائم الدولية المذكورة؛ بل ينبغي التحقق من الوصف القانوني للفعل وشروط انطباق كل فئة من هذه الجرائم عليه.
حدود الاستفادة
تؤكد المقارنة أن القرار لم يُلغِ الاستثناءات الأساسية المتعلقة بالقتل والإرهاب والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي. لكنه وسّع نطاق الاستثناء المتعلق بالقتل المشدد، وحدّد كيفية تطبيق قواعد تخفيض العقوبة على المحكوم عليهم الذين كانت عقوبتهم الإعدام، وأزال قيدًا زمنيًا من شرط إسقاط الحق الشخصي، وأخرج جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري من نطاق العفو.
والخلاصة أن الاستفادة من القانون لا تُحسم بالنظر إلى مقدار العقوبة وحده، ولا بمجرد وجود قاعدة عامة للتخفيض. بل تتطلب قراءة متكاملة لنصوص العفو، وأحكام قانون العقوبات، ومنطوق قرار المجلس الدستوري وتحفظاته الملزمة.